الخميس، 29 أكتوبر 2009

السكان في الوطن العربي

"صندوق الأمم المتحدة للسكان"

مقدمة:
يعتبر الوطن العربي مهد الحضارات، وشاهد على قيام الممالك بدءاً بمملكة سباً في اليمن. وقد أدت الهجرات التي أملت عليها ندرة المياه والجفاف إلى انتقال السكان على طول البحر الأحمر إلى شمال الجزيرة العربية والشمال الإفريقي، وجنوباً إلى بحر العرب وشرق إفريقيا وجنوب شرق إفريقيا ثمّ صعوداً إلى الخليج.
وقد أسس البابليون في العراق، والفراعنة في مصر حضارات عريقة في المنطقة استطاعت لأْْمد بعيد لعب دور هام وبارز في تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة، إلى أن توالت على المنطقة حضارات الإغريق، والرومان، والأنباط. وفي هذه الأثناء تمكنت ممالك عربية صغيرة بقوة محدودة من الظهور في الفترة الواقعة بين الإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية؛ معلنة ظهور الدولة الإسلامية التي استطاعت ضم وتوحيد المنطقة بأسرها، وممتدة في كل الاتجاهات شمالاً وغرباً إلى أوروبا، وجنوبا إلى أفريقيا وجنوب شرق آسيا.
وتحت لواء الإسلام الذي نصّت تعاليمه على نشر العلم، وحثّ على تعليم الذكور والإناث على حدّ سواء؛ استطاع المسلمون ومن كان تحت لوائهم وكافة سكان المنطقة من غير المسلمين إحداث نهضة في مجال الآداب، العلوم الإنسانية الطب، الجراحة، البصريات، الملاحة، الكيمياء، الفيزياء، الجبر، العلوم، والتكنولوجيا. واستطاع الوطن العربي عبر طريق الحرير أن يسيّر تجارة رائجة في الفكر والعلوم، وشكل حلقة وصل بين حضارات آسيا وإفريقيا وأوروبا.
يبلغ عدد سكان الوطن العربي حالياّ حوالي (287) مليون نسمة، بما يشكّل (5%) من إجمالي سكان العالم. ويمكن القول أن كافة أقطاره متشابهة اجتماعياّ، لغوياّ، وديموغرافياّ، ويضم عموماّ معدلات زواج مرتفعه، وزواج مبكر يليه حمل مباشر وغير متباعد؛ مما يزيد ارتفاع معدلات الزيادة السكانية، وزيادة في معدلات الشباب؛ الأمر الذي يقود إلى زيادة الأعباء والتبعية والاتكال، وشيوع الأمية خاصة بين النساء في الوطن العربي، وانتشار فقر الدم الناتج عن الحمل المبكر والمتكرر، نقص الحديد، سوء التغذية، ونقص البروتين هي عناصر يعزى أسباب تزايدها إلى: " الزواج المبكر- الحمل المباشر بعد الزواج – عدم المباعدة بين فترات الحمل – فقر الدم "والتي تؤدي بالتالي إلى " استنزاف صحة الأمهات ـ الإجهاض العفوي ـ ولادة غير مكتملة "، أو قد يتسبب بمواليد أوزانهم دون المعدل ( التقزّم والنحول)، أو بطيئي النمو. وهذا بالتالي يقود إلى ازدياد نسبة الأمراض بين الأمهات والمواليد والأطفال " مثل الأمراض والإصابات المتعلقة بالحمل والولادة ".
هناك أيضاّ اختلافات متباينة واضحة بين السكان في الدول العربية، وبين الدول نفسها والمتمثلـة في مستويات التطور، المدنية، البطالة، الدخل القومي، التوزيع السكاني ومعدلات النمو. بالإضافة إلى اختلاف الدول وتباينها في وعيها وإدراكها للمشاكل السكانية، والسياسات والإستراتيجيات السكانية التي تحتاجها لتحديد مشاكلها السكانية، وحل الأمور العالقة من أجل إحراز تطور مستدام، ويمدّه بأسباب الحياة والتطور.
عام 1973 فسّر "عبد الرحيم عمران" التحولات الديموغرافيّة في الوطن العربي من خلال نظريته في علم الأوبئة الانتقالي؛ حيث اعتبر أن الوفاة هي العامل الرئيسي للتحول والتغير السكاني، بينما اعتبر أن المواليد والتزايد السكاني العامل المعدّل. ويعتبر عمران أن مسألة السكان تمرّ بثلاثة أطوار خلال فترة التحوّل من المعدلات المرتفعة إلى المتدنية للوفيات والمواليد وهي:
1ـ طور المجاعة والآفات والأمراض الوبائيّة : حيث تنقلب معدلات الوفيات والمواليد إلى أعلى درجاتهـا نتيجـة الوباء المتكرّر الناجم عن الطبيعـة، الحروب المدنيـّة ونقص الموارد؛ الأمر الذي يؤدي إلى انتشار الوباء والعدوى والمجاعة، وتدني مستوى المعيشة، وتوقعات لأعمار قصيرة الأمد تدوم لثلاثين أو أربعين عاماّ فقط. هذا، والمثال الحالي لهذا النمـط الحياتي هم سكان العراق ( بسبب الحصار والعقوبات المفروضة)، والصومال حيث تفقد هذه الشعوب أطفالها الذين هم دون سن الخامسة بسبب نقص الغذاء والدواء. ومن يحيا منهم يبقى مهدداّ بعواقب ونتائج على المدى الطويل، كتوقف النمو أو الموت المفاجيء؛ الأمر الذي يترك أثره على الحياة بصحة جيده، وقدرات تعليمية في المستقبل.
2ـ طور التراجع الوبائي : وهي الفترة اللاحقة التي تعتمد على توافر الخدمات الصحيّة المتضمنة الأدوية الوقائية كاللقاحات، وتحسين التغذية خاصة للنساء والأطفال ؛ الأمر الذي من شأنه أن يسارع بتقليص معدلات الوفيات ، في الوقت الذي تصل فيه معدلات المواليد إلى أعلى مستوياتها أو تتضاعف مؤقتاّ. ونتيجة لذلك، فإن فرص وتوقعات الأعمار سوف تتحسّن وتتراوح ما بين خمسين عاماّ إلى ما يزيد على ستين عاماّ، بالمقارنة مع ثلاثين أو أربعين عاماّ المتوقعة بسبب المجاعة والآفات. وسوف يزداد بالتالي معدل النمو السكاني. يمكن القول أن العديد من الدول العربية قد تجاوزت هذه المرحلة إلى المرحلة التي تليها.
3ـ طور الأمراض بفعل الإنسان : والتي تنشأ بتزايد العمر والتطور الصناعي مثل أمراض الشرايين والضغط وما يرافقه من أمراض، الإصابات بالإشعاعات، السرطان الناتج عن المواد المضافـة والحافظة للأطعمة، تدمير البيئة وتعريضها للتلوث الكيميائي والصناعي؛ الأمر الذي يستحث الجينات على التحوّل والتغيّر الفجائي؛ ممّا يحدث مواليد جدد مختلفة عن الأبوين. معدلات الخصوبة نسبيّاً متدنيّة في هذا الطور، ويستمر النمو السكّاني في ازدياد؛ ولكن في مستويات معيشيّة بسيطة. ينطبق هذا الطور حالياً على دول الخليج العربي.
وعادة ما تمرّ المجتمعات بأحد الأطوار الثلاثة التي سبق ذكرها أثناء تحوّلها الديموغرافي، وتتفاوت فيما بينها بسرعة هذا التحوّل؛ ممّا يجعل كل مجتمع يحتلّ مرتبة مختلفة. وبناءّ عليه، يمكن استنباط هذه النماذج السائدة التالية :
1ـ النموذج التقليدي : والذي رافق الثورة الصناعية في أوروبا، وامتدّ عبر فترة زمنية طويلة، وأحدث تقليصاً جوهرياً في معدلات الخصوبة والوفيات "خاصة في فرنسا، حيث تناقصت معدلات المواليد التي سبقت تناقص وانحدار معدلات الوفيـات ". وصلت معدلات الوفـاة إلى أقل من 10 لكل ألف شخص، ومعدلات الولادة أقل من 20 لكل ألف شخص.
2ـ النموذج المتسارع : وفيه يصبح التركيز على برامج تنظيم الأسرة جنباً إلى جنب مع الخدمات الصحيّة، الوقائية، والعلاجيّة. فتتناقص تدريجياً معدلات الوفيات والمواليد بنسب سريعة. مثال هذا النموذج اليابان وبلدان شرق أوروبا التي بدأت تميل إلى الإجهاَض المتعمّد وتحثّ عليه.
3ـ النموذج المتأخر" البطيء" : والذي ينطبق حاليّاً في الدول النامية. فمعدّل الوفيات بدأ بالتناقص بعد الحرب العالمية الثانية في الوقت الذي تميّزت فيه معدلات المواليد بالتراجع بعد ذلك بكثير، مع بعض الإستثناءات . وتندرج الدول العربية ضمن هذا النموذج؛ حيث معدلات النمو السكّاني المرتفعة بسبب الفجوة المتزايدة بين معدلات المواليد المرتفعة ومعدلات الوفيات المتدنيّة. إنّ معدلات نمو سكّاني كهذه تفـوق معدلات النمو الاقتصادي، ولا بدّ أن يشكّل فيها النمو السكّاني المتسارع هذا خطراً على المستوى المعيشي للسكّان ؛ الأمر الذي دفع بالدول العربية إلى تبنّي المزيد من السياسات السكانية من أجل إحداث التوازن بين هذا التزايد السكّاني، وتنمية مستدامة، وحماية بيئية.
لمحة ديموغرافيه للسكّان العرب
النمو السكّاني
قدّر مجموع السكّان في الدول العربيّة في منتصف القرن العشرين بحوالي (76 ) مليون نسمه، بمعدّل زيادة سنويّة قدره (2.5 %) لتصـل إلـى ما يزيد عن (144 ) مليون نسمه عام 1975 ( تقريباً ضعف العدد خلال 25 عام). وقد ارتفع معدّل هذه الزيادة إلى ( ‌‌2.7 %) بين عاميّ 1975 ـ2000 حيث قدّر عدد السكّان في الوطن العربي عام 2000 حوالي (284 ) مليون نسمه.
تزايد النمو السكّاني بنسبة (‌2.7 %) خلال النصف الثاني من القرن الماضي مرتفعه جدّاً إذا ما قورنت بمعدلات النمو السكّاني في الدول الأخرى والتي بلغت أقل من (2 %) لنفس الفترة. هذا النمو السكّاني المرتفع ما هو إلاّ نتيجةً حتميّة للجهود المباركة لخفض معدلات الوفاة مقترناً بمجتمعات فتيّة واستمرارية لمعـدلات الخصوبة المرتفعة . وإثر التغيّرات السياسيّة الكبيرة التي طرأت على الدول العربية؛ ومستفيدة من تجارب العالم الغربي في التأكيد على الصحة العامة والسيطرة على معدلات الوفاة؛ فقد عمدت الدول العربية لاتخاذ إجراءات وسياسات من أجل رفع المستوى المعيشي للسكّان إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعدها في مجال الصحة العامة، والسيطرة على معدلات الوفاة.
هذا، وقد عملت الأمم المتحدة بالتعاون مع منظمات متخصّصة في هذا المجال مثل منظمة الصحة العالمية التي قامت بتسهيل ونقل المعرفة والمصادر التي تمّ استخدامها من أجل خفض معدلات الوفاة، وكان أول نجاح لها من خلال توفير الأدوية المتطوّرة ( كالمضادات الحيويّة)، بالإضافة إلى البرامج الدولية التي تهدف للقضاء على الأمراض الطفيلية ( حثّ وتوعية على كيفيّة استخدام المبيدات الحشرية ). وقد كانت منظمة الصحّة العالمية رائده في نقل المعرفة والتزويد بأدواتها ووسائلها الراقية للسيطرة على معدلات الوفاة .وعليه، فقد انخفضت ودون رجعة معدلات الوفاة بين المواليد والأطفال والأمهات والمجتمع ككللّ. الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين معدّلات المواليد ومعدلات الوفاة والتي تؤدي بالتالي إلى التضخم السكّاني المتسارع. فبنهـاية عام 1970 بلغت معـدلات المواليد الخام (42 ) مولود لكل ألف شخص ( أو ما يزيد عن 6 مليون مولود كل عام ) ومعـدلات الوفاة الخام (12.2) لكل ألف شخص ( 1.8 مليون حالة وفاة سنوياً )، أي بزيادة سكانية صافية بلغت ما يزيد على (4) مليون شخص سنوياً.
وتشير التوقعات إلى أن معدلات المواليد وبالتالي معدلات النمو السكّاني سوف يستمرانّ في الارتفاع لغاية القرن الحادي والعشرين. على أية حال، يمكن القول أن هذه المعدلات قد تتناقص تبعاً للتغيرات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي عملت على زيادة استخدام وسائل منع الحمل، ومنها ما طرأ من تحسين واضح وتغيّر ملموس من خلال ازدياد تعليم النساء وتوعيتهن وتمكينهنّ، ومشاركة الرجال لتحسين الصحة الإنجابية. وتبعاً لذلك؛ فإن معدّل النمو السكاني سوف يتنـاقص في الربـع الأول من القـرن ليصل إلى (2 %) وبيـن عامي 2025 ـ 2050 ليصل إلى (1.3 % ) ويصبح عدد السكـان (470) مليـون سنة 2025، و(654) مليون مع سنة 2050.وترسخ وعي الدول العربية على الفوائد المتوقعة من تحسين الخدمات الصحية والسيطرة على الوفاة.
لقد حققت الدول العربيّة نتائج إيجابيّة ورائعة عبر تطوير الخدمات الصحيّة والقضاء على الموت الجماعي وتناقصت معدلات الوفاة من ( 16.6 ) لكل ألف شخص في السبعينات إلى ( 12.2 ) لكل ألف شخص في الثمانينــات، و(9.2 ) لكل ألف شخص في التسعينات، وقد تواصل هذا الانخفاض ليبلغ ( 8.9 ) لكل ألف شخص عام 1988 ، ومن المتوقع أن يواصل تراجعه ليصل إلى ( 7.1 ) لكل ألف شخص في العقد الأول من القرن الحادي والعشرون. أمّا معدلات الأعمار حاليّاً في البلاد العربيّة فقد تراوحت بين أعلى مستوياتها (74.9 ) عاماً للرجال، (79.3 ) عاماً للنساء في الكويت، وأكثرها انخفاضا ( 39.9 ) للرجال، (41.6 ) للنساء في جيبوتي. أما أعداد الوفيات فقد استقرت على حوالي ( 11 ) مليون لكل من عقدي الثمانينات والتسعينات، وتشير التوقعات أن هذه المعدلات لن يطرأ عليها تغيير في العقد الأول من القرن الحالي.
التحسينات التي طرأت على الخدمات الصحيّة أدت إلى رفع معدلات الأعمار من ( 49.8 ) سنة في السبعينات إلى ( 57 ) سنة في الثمانينات، ( 61.8 ) سنة في التسعينات، ( 66 ) سنة عام 2000 . هذا الارتفاع والتحسّن الذي طرأ على معدلات الأعمار كان نتيجة الجهود المشتركة التي بذلت من أجل تقليص الوفيات، إن خفض عدد الوفيات هذا قد أسهم بدوره في استدامة الزيادة السكانية. ومع تحسين الخدمات الصحيّة المستمرّ، سوف تواصل معدلات الوفيات تناقصها التدريجي خاصة في الـدول التي ترتفع فيها هـذه المعدلات مثل جيبـوتي ( 16.4 ) ـ الصومال (18.1 ) ـ السـودان ( 14.4 ) ـ موريتانيا ( 17.5 ) ـ واليمـن ( 13.9 ). وما لم توازن ببرامج فاعلة لتنظيم الأسرة؛ فخفض معدلات الوفاة سيقود إلى معدلات مرتفعة للنمو السكاني وإضافات بشريّة في الدول العربية.
ولأن التركيز في مجال الصحة كان للوقاية من الأمراض؛ فالاحتياج لمصادر مالية كبيرة لم يكن ضرورياً لخفض الوفيات. كما أن خفض الوفيات قد تمّ تحقيقها دونما تحسّن ملموس في مستويات المعيشة . إن تقليص معدلات الوفاة بشكل عام وخاصة بين النساء والأطفال والمواليد كان توجهاً ومطلباً دوليا، وتجاوب السكان بشكل إيجابي مع حملات الوقاية مثل التطعيم؛ الأمر الذي أثّر تأثيراً مباشراً من حيث السيطرة على الأمراض المعدية.
تناقصت معدلات الوفاة بشكل متسارع بعد الحرب العالمية الثانية، وأدى التحسّن بأحوال المرأة الصحيّة إلى بعض الزيادة بالخصوبة والتي هي مرتفعة أصلاً. أدّى ذلك إلى زيادة إضافيّة لمعدلات النمو السكاني المرتفعـة؛ حيث ازدادت من ( 2.5 %) بالسنة للفتـرة 1950ـ1975 إلى ( 2.7% ) للفترة 1975ـ2000 . وكان من الممكن أن يكون هذا المعدّل أعلى في بعض الدول العربية ومنها تونس، مصر، الجزائر، والمغرب ما لم يكن لديها مبادرات ناجحة لتخفيض الخصوبة من خلال تطبيق برامج تنظيم الأسرة تطبيقاً واسعاً.

كما تلعب المجتمعات الشابة دوراً حاسماً في النمو السكاني، ففي الثمانينات بلغ عدد الذين هم دون سن الخامسة عشر ( 47% ) من مجموع السكان، أي أكثر من ( 77 ) مليون نسمة، وبحلول التسـعينات يتوقع أن ينجبوا ويتكاثروا. وقد وصل عدد السكان الشباب في التسـعينات ( 100 ) مليون. ومن المتوقع أن يصل عدد من هم دون الخامسة عشر بحلول العقد الأول من الألفية الجديدة حوالي ( 130 ) مليون نسمة.
واستناداً للهرم السكاني المصنّف حسب العمر والجنس، نلاحظ أن الأعداد التي تدخل فئة سنوات الإخصاب أكثر بكثير من هؤلاء الذين تنتهي لديهم فترة الإخصاب. ومن هنا، فإن المجتمعات التي يتزايد فيها السكان الشباب ويتزايد فيها الزواج المبكر يتواصل فيها التوالد المتتالي، وهذا ما يوصف بالزخم السكاني. ولن يكون هناك مخرج أو فائدة؛ لأننا لو افترضنا أن كل زوجين سيكون إنجابهم بمعدل 2.1 طفل لكل زوجين، وهو المعدل المخفف؛ سيظلّ الارتفاع في معدلات النمو السكاني قائم بسبب هذا الزخم.
ولتوضيح ذلـك، كان هناك ( 37 ) مليـون امرأة في عمر الإخصاب ( 15 ـ 49 سنة ) عام 1980؛ ووصل هذا الرقم إلى ( 50 ) مليون عام 1990، ثمّ ( 69 ) مليون بحلول عام2000، وسوف يواصل ارتفاعـه بمرور السنوات. وكان العمر الوسيط في الدول العربيـة ( 18 ) سنه عام 1980 ، تزايد ببطء شـديد ليصل إلى ( 18.4 ) سنه عام 1990 ، وإلـى (19.5 ) سنه عام 2000 .
وبانخفاض معدلات الخصوبة والنمو السكاني، يتوقّع للدول العربية أن تأخذ وقتاً أطول لمضاعفة عدد سكانها. واستناداً للمعدل السائد بين عامي 1975 ـ 1980 جاءت التوقعات بأن تضاعف الدول العربية سكانها خلال ( 22 ) عام. بحلول عام 2000 اختلفت التوقعات لتصل إلى ( 30 ) عام، وقد تزداد لتصل إلى ( 43 ) عام بحلول عام 2025 ، ومن المتوقع أن تحتاج إلى ( 63 ) عاماً بحلول عام 2050 . على أية حال، فإن الوطن العربي يشمل سبعة دول يمكن أن تضاعف عدد سكانها بعام 1990 خلال عشرين سنه أو أقلّ. وهذه الإحصائيات مثيرة للقلق عندما تصبح الأرض غير قادرة على إشباع من عليها، ويكمن الخطر في قلة موارد المياه، والتصحّر، وانكماش الأرض الزراعية بسبب الزحف السكاني والعمراني عليها.

التوزيع السكاني

يتوزع الوطن العربي على اثنين وعشرين دولة ممتدّة من الخليج العربي شرقاً إلى المحيـط الأطلسي غرباً بمساحة كاملة قدّرت بـ ( 14 ) مليون كيلو متر مربع. وجميع الدول العربية أعضاء في جامعة الدول العربية، ويمكن توزيع دول الوطن العربي جغرافياً إلى أربع مجموعات وهي التالية :
1ـ وادي النيل والقرن الإفريقي ويضم : مصر، السودان، الصومال، جزر القمر، جيبوتي.
2ـ شمال أفريقيا ويضم : ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، وموريتانيا.
3ـ الهلال الخصيب ويضم : العراق، سوريا، الأردن، لبنان، والأراضي الفلسطينية المحتلّة.
4ـ شبه الجزيرة العربيّة ودول الخليج العربي ويضم : المملكة العربية السعودية، اليمن، عمـان، الإمارات العربيـّة المتحدة، قطـر، البحريـن، والكـويت.

واستناداً لتقديرات السكان عام 2000 ، بلغ عدد سكان المجموعة الأولى ( 109 ) مليون نسمه أو ( 38 % ) من إجمالي عدد السكان في الوطن العربي، وتتناقص نسبة هذه المجموعة والتي بلــغت ( 44 %) عام 1950 من مجموع السكان الإجمالي ليصل حسب ما هو متوقع له إلى ( 34 %) مع منتصف القرن الحادي والعشرين . يشكل سكان شمال أفريقيا ربع سكان الوطن العربي بنسبة ( 27 %) مع عام 2000، نزولاً من نسبة ( 30 %) عام 1950، وتوقع نسبة ( 20 % ) من سكان العالم العربي بحلول عام 2050 . أما سكان الهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربيّـة والخليج العربي فيشكلون ما تبقى من مجموع السكان الإجمالي بتقديرات متساوية تتراوح بين 17 ـ 18 % لكل مجموعة.

وتعتبر مصر أكثر الدول العربيـة سكاناً وبنسبة 28 % من إجمالي السكان العرب عام 1950 . وتحتـل الجزائر والسـودان والمغرب المركـز الثاني في حجم السكـان والذي يتراوح بيـن ( 11 ـ 12 %) لكل دولة، وتأتي العراق في المرتبة الخامسة ( 7%) ، ثم اليمن، تونس، سوريا والمملكة العربيّـة السعودية بنسب تتراوح بيـن (5 ـ6 %) لكل دولة. أما لبنان، الأردن، ليبيا، موريتانيا، والأراضي الفلسطينية المحتلة فتتراوح جميعها بنسبة ( 7 %)؛ في الوقت الذي تشكل فيه البحرين، جزر القمر، جيبوتي، قطر، والإمارات العربيّة المتحدة أقل مـن ( 1 %) مجتمعة من مجموع السكان العرب.
ولقد تزايدت معدلات النمو السكاني في كافة الأقطار العربية ، في حين تباين الانخفاض لمعـدلات الوفاة ، ومبقية على معدلات الخصوبة كما هي ، بالإضافة إلى الهجرة الدولية (وهذه الأسباب التي تحدث فجوة كبيرة بين معدلات المواليد والوفيات) ، أدت إلى تزايد سكاني في دول أسرع من غيرها . لقد ازداد معدل النمو السكاني في معظم الأقطار العربية منذ مطلع الخمسينات حتى أواخر السبعينات. وبلغت معدلات النمو السكاني التي سادت منذ الخمسينات لنسـبة تصل ( 2 % ) سنوياً أو أكثر، عدا الأراضي الفلسطينية المحتلة التي بلغت أقل من ( 1 % ) بسبب الهجرات القسرية باتجاه الأردن ( والتي أدت إلى زيادة سكانيّـة مرتفعـة في الأردن ) . فالهجرات السكانية والنمو السكاني الطبيعي أديا إلى معدلات نمو سكاني مرتفعة في البحرين، جيبوتي ، المملكة العربية السعودية ، قطر ، الإمارات العربية المتحدة ، عمان ، والكويت . وقد اعتبر عقد التسعينات والذي شهد أعلى ارتفاع لأسعار النفط؛ أكثر العقود التي شهدت تنامياً سكانياً لدول الخليج العربي بسبب الهجرة العاملة .

ولقد ساد أعلى معدل نمو سكاني في الربع الأخير من القرن الماضي في كل من البحرين، جزر القمر، جيبوتي، العراق، الأردن، الكويت، عُمان، السعودية، الصومال، الإمارات العربية المتحدة واليمن. وبنهاية القرن العشرين قدّر مجموع السكان في الدول العربية (284) مليون نسمة وقد بلغت نسبة سكان كل من مصر، الجزائر، السودان، تونس، ولبنان في خفض معدلاتها إلى 24 ،11 ،11، 3،1 % على التوالي. هذا، ومن المتوقع أن تنخفض هذه النسب أكثر في منتصف القرن الحادي والعشرين، حيث يتوقع لمصر أن تخفض نسبة سكانها إلى ما يقارب خمس العدد الإجمالي للسكان العرب أو (17 %)، الجزائر (7.8 %)، السودان (9.7 %)، وأما تونس فستصل إلى (2 %)، ولبنان إلى أقل من (1 %) من مجموع سكان الدول العربية.

التركيبة العمرية

استمر التركيب السكاني في الدول العربية بالتغير منذ منتصف القرن الماضي، ومن المتوقع أن يواصل تغيّـره تبعاً للتحوّلات الديموغرافية النموذج البطيء والذي بدأ في بعض الدول العربية قبل أخرى. فبدأ معدل الوفيات يتناقص تدريجياً بعد الخمسينات في حين ارتفع معدل الولادات أو بقي عالياً. ومن هنا فقد ازدادت نسبة من هم دون سن الخامسة عشرة ً ،وترافقت هذه الزيادة مع انخفاض نسبة من هم في سن العمل ونسبة كبار السن. أما في الدول المنتجة للنفط فقد ارتفعت نسبة السكان العاملين والمنتجين وذلك نتيجة هجرات العمل الوافدة تبعاً لارتفاع أسعار النفط والذي تبعه تنمية اقتصادية .

بشكل عام، بدأت معدلات الخصوبة (عدد الأطفال للمرأة) بالتناقص منذ أوائل الستينات والسبعينات في بعض الدول العربية، وفي الوقت الذي لوحظ أن انخفاض هذه المعدلات في معظم الدول بدأ من الثمانينات؛ إلاّ أن هذا الانخفاض في معدل الخصوبة قد أدى الى ارتفاع عدد السكان من فئة سن العاملين(المنتجين)، وبالاستنتاج من الدول التي أتمت هذا التحوّل الديموغرافي؛ فإن انحدار معدل الخصوبة متى بدأ سيستمر حيث سيحافظ الزوجان على إنجاب عدد أقل من الأطفال للاستفادة من فكرة الأسرة الصغيرة والمغانم المكتسبة. لذلك، من المتوقع أن يستمر الانخفاض في معدل الخصوبة في الدول العربية بسرعة متفاوتة بين الدول نفسهـا، وتدريجياً سوف تتناقص نسبة من هم دون الخامسة عشر لتصل في النهاية وتشكل 4/1 مجموع السكان ، في الوقت الذي تزيد فيه نسبة كبار السـن وتصل بالتحديد لتشـكّل 15 % ( ثلاثة أضعاف النسبة الحالية ). ومن هنا ، فالمشكلة المستقبلية في الدول العربية هي مشكلة التعمير.

إن التغيّـرات الهيكلية للاعمار للسكان العرب لها تأثير على معدلات الإعالة. فلقد شهد الربع الثالث من القرن الماضي ارتفاع بنسب الإعالة بسبب تدني معدل الوفيات ومعدلات الخصوبة المرتفعة. ولقد بدأت نسب الإعالة بالانخفاض خلال الربع الأخير بسبب انخفاض الخصوبة. وسيستمر هذا الانخفاض خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين كما يتوقع لزيادة أعداد كبار السن أن تعوض النقص بأعداد الأطفال .

وبحلول عام 2000 ، كانت نسبة الأطفال لدى عدد قليل من الدول العربيةأقل من 3/1 مجموع السكان ودولتان فقط وهما : تونس ولبنان وصلتا لهذه النسبة بسبب خفض الخصوبة، أما في دول عربية أخرى فقد بلغت نسبة السكان الأطفال 3/1 السكان بسبب العمالة الوافدة، وهذه الدول هي : البحرين ، الكويت ، قطر ، الإمارات العربية المتحدة . وقد تمّ لها ذلك بفعل الهجرات السكانية إليها للعمل. ومن المتوقع عام 2025 أن يصل مجموع من هم دون الخامسة عشر أقل من 3/1 مجموع السكان في كل من الدول التالية : الجزائر ، مصر ، العراق ، الأردن ، ليبيا ، المغرب، السودان ، سوريا .

الوفيات والمواليد
تعتبر توقعات الأعمار مؤشراً قوياً للوفيات لكافة فئات الأعمار ، بما في ذلك المواليد الجدد والأطفال وكبار السن . وقد عكست المستويات العالية لمعدل الوفيات منذ بداية الخمسينات مستويات متدنيّة لتوقعات الحياة في معظم الدول العربية، فقد كان متوقعاً للمرأة أن تعيش حوالي أربعين عاماً، في الوقت الذي كان متوقعاً للرجال أعمار أدنى من ذلك بعامين ؛ إلاّ أن التحسينات التي طرأت على الخدمات الصحية خاصة والظروف المعيشية ومستواها بشكل عام، قد رفعت توقعات الحياة. وقد ازدادت هذه التوقعات لكل الدول العربية تقريباً حوالي عشر سنوات أو أكثر مما كان متوقعاً لها خلال الربع الثالث من القرن الماضي مع إضافة إلى عشر سنوات أخرى في الربع الأخير ، في الوقت الذي تمكنت فيه بعض الدول من رفع معدل الأعمار أكثر من ذلك مثل : العراق ، الأردن ، عمان ، الإمارات العربية المتحدة ، المملكة العربية السعودية ، وقطر. هذا وقد حققت غالبية الدول العربية مستويات جيدة في خفض معدل الوفيات بانتهاء هذا القرن من خلال السيطرة على الأمراض المعدية والطفيلية (المطاعيم والمضادات) مما أدى إلى رفع لتوقعات الحياة. إن الجهد المطلوب لمزيد من خفض معدلات الوفيات قد يتطلب كلفة مادية عالية ولكنه سوف يفضي إلى نتائج ومكاسب قد تكون محدودة وتحتاج لوقت من أجل كسب نتائجها وقطف ثمارها . فبحلول عام 2025 يتوقع أن ترفع هذه الدول توقعات الحياة خمس إلى سبع سنوات إضافية، وفي الربع الثاني من القرن الحالي زيادة تقدر بـ 2-3 سنوات.
وبالرغم من التحسينات التي طرأت على الخدمات الصحية في الدول العربية وما نتج عنها من خفض لمعدلات الوفيات ومعدل الوفيات للأطفال الرضع، والمواليد الجدد ومعدل الوفيات للأمهات، إلا أن هذه المعدلات لا يزال مرتفعاً. لقد انخفض معدل الوفيات الخام من (12.2 ) لكل ألف شخص عام 1980 إلى ( 8.9 ) لكل ألف شخص عام 1998 . وقد كانت تجارب بعض الدول أفضل من غيرها ، وجاءت هذه النتائج بهذه المستويات استناداً للسنة الأساسية التي بدأ بها تغيير الهيكل السكاني بالإضافة إلى مصادر التمويل والوضع الاقتصادي . كانت نسبة وفيات الأطفال الرضع (99 ) لكل ألف مولود حي عام 1980 ، وتناقصت لتصل (69) لكل ألف مولود حي عام 1990 وصولاً إلى (51) لكل ألف مولود حي عام 2000. علماً بأن ثمانية دول عربية فقط حالياً قد حققت معدلات وفيات أطفال رضع أقل من 30 لكل ألف مولود حي بينما توجد 5 دول عربية بمعدلات وفيات أطفال رضع أعلى من 80 لكل ألف مولود حي.

وفيات الأمهات الحوامل مرتفعة أيضاً في الدول العربية ، بالإضافة إلى الأنماط المختلفة من التمييز ضد المرأة عبر دورة الحياة بسبب توزيع الأدوار للنوع الاجتماعي. ويرجع معدل الوفيات المرتفع لدى الأمهات والمواليد الجدد إلى الحمل المبكر ، الحمل المتأخر ، والحمل المتكرر والمتتالي . هذه العوامل تعمل على استنزاف صحة الأمهات وحرمانهن من فرصة استعادة قواهن وتعويض ما فقدنه من بروتينات ومعادن، وتشير معدلات الخصوبة في الدول العربية إلى (6) أطفال عام 1980، وانخفضت هذه الخصوبة لتصل إلى (5.2) طفل عالم 1990 و(4.2) طفل عام 2000 وهو ضعف معدل الاحلال، في الوقت المقدر بـ ( 2.1 ) طفل لكل امرأة. على أية حال؛ تبقى معدلات الخصوبة الزوجية (عدد المواليد للمرأة المتزوجة) أكبر بكثير من معدلات الخصوبة الكلية بشكل عام. هذا، وفي عام 1990 كان هناك أربعة دول عربية فقط بمعدلات خصوبة لا تزيد على 4 مواليد للمرأة، وبلغ عدد هذه الدول (10) بنهاية عام 2000 وهي: الجزائر، البحرين، مصر، الكويت، لبنان، ليبيا، المغرب، تونس، قطر والإمارات العربية المتحدة. ومن ناحية أخرى ، فقد كانت معدلات المواليد الخام (40) مولود لكل 1,000 نسمة عام 1980، وبقيت هذه المعدلات مرتفعة طوال العقدين التاليين حيث وصلت (30) طفل لكل 1,000 نسمة.

ولقد جاء تخفيض معدلات الخصوبة نتيجة لبرامج تنظيم الأسرة واستخدام وسائل تنظيم الأسرة في العديد من الدول ، بالإضافة إلى العوامل الأخرى مثل رفع سن الزواج الذي ساد في العديد من الدول. إن نسبة استخدام وسائل تنظيم الأسرة الحديثة هو دون الطلب الفعلي (18 %). فعشرة دول فقط بلغت معدلات استخدام وسائــل تنظيم الأسرة بها (30 %) أو أكثر، وأربعة دول فقط وصلت نسبة استخــدامها إلى (50 %) أو أكثر ، ومن أجل أن نصل إلى معدل الاحلال السكاني أي معدل خصوبة كلية (2.1 ) طفل لكل امرأة؛ يجب زيادة استخدام وسائل تنظيم الأسرة الحديثة إلى (60 %) من الأزواج ، أي إلى (42) مليون زوج وزوجة حالياً في الدول العربية، إلى أكثر من (50) مليون زوج وزوجة عام 2005 . وتحقيق هذا الهدف لا يعني أن يتوقف النمو السكاني في الوطن العربي ، لأن النمو السكاني سوف يتواصل لقرن كامل حتى لو بلغت بسبب الزخم السكاني للدول العربية معدلات الخصوبة الكلية أقل من 2.1 طفل للمرأة وهو معدل الاحلال السكاني وذلك قبل أن يستقر حجم السكان. هذا وبالسرعة التي تفي الدول العربية بإشباع احتياجات شعوبها من وسائل تنظيم الأسرة فإنها تسرع بالوصول إلى حجم سكان ثابت.

الصحة الإنجابية في الوطن العربي

الصحة الإنجابيّـة – تعريفها ومسارها
إن الإجماع على تعريف الصحة الإنجابية عام 1994 في المؤتمر الدولي للسكان والتنمية يعتبر خطوة هامة للبدء بترجمة توجهاته نحو خدمات تقدّم في هذا المجال. وقد عرفت الصحة الإنجابية : " بأنها حالة متكاملة من الصحة الجسدية والعقلية والاجتماعية ، وليست تعبيراً عà غياب المرض فقط بكل الأحوال والأمور المتعلقة بالجهاز الإنجابي ووظائفه " .

ولقد أسس هذا التعريف نقلة منهجيّة وبدائل لبرامج تنظيم الأسرة السابقة، والتي كانت تتركز أساساً على تحقيق الأهداف الديموغرافيه بشكل أفقي، بينما أكد المؤتمر العالمي للسكان والتنمية ضمن خطته التنفيذيّة على أهمية ومحورية تنظيم الأسرة ضمن رعاية صحيّة جنسيّة وإنجابيّة متكاملة. ولا بدّ أن يصاحبه تطوّر في تفكير مقدّمي الخدمة. ويتطلّب هذا الفهم الجديد المنهج المتكامل ويركّز على نوعية الخدمات، واحتياجات الفرد على أن تكون صديقة للشباب والشابات وخصوصية قضايا المرأة ومتضمنة لاحتياجات الرجال والنساء في مراحل العمر المختلفة، والتأكيد على رؤيا معرفية بقضايا حقوق الإنسان، حقوق المرأة، وحق الإنجاب . وهكذا، تصبح العناصر الأساسية لهذه الرؤيا وهذا الفهم الجديد أساساً للنوع الاجتماعي / السكان / برامج التنمية وبرامج الصحة الإنجابية ، وتتضمن الأمور التالية:

1ـ الحفاظ على حقّ المرأة بتقرير خصوبتها وذلك من خلال حقوق المرأة وحقوق الإنسـان وبرامج تنظيم الأسرة وصحتها الإنجابيّة وحقوق المرأة الجنسية، والتي تعني حقها في ضبط وتسيير هذه القضايا من أجل الحفاظ على صحتها وخاصة معدل خصوبتها (أساس تمكين المرأة ) .
2ـ تمكين المرأة : في الوقت الذي تمّ التوجه الدولي فيه نحو دعم المرأة في المناصب العليا ومراكز صنع القرار، كذلك يجب النهوض بالنساء اللاتي يشغلن مناصب أدنى. ( إن عناصر العدالة والقضاء والديمقراطية والديموميّة هي من أهم العناصر لدعم المرأة وتمكينها وتطورها).
3ـ تحقيق العدالة والمساواة بين الجنسين دون : إن توفير الفرص المتكافئة بين الجنسين يتطلب أن يبدءا معاً بنفس الدرجة من التساوي منذ الطفولة. وعندما تكون الأوضاع غير متكافئة بينهما، فإن تعرضهما للمعرفة والإطلاع في المجتمع لن يكون مماثلاً. وتحقيق معاملة خاصة، واتخاذ خطوات إيجابية بما يتوافق واحتياجات المرأة وظروفها يتطلّب تمييزاً إيجابياً لصالح المرأة، ويجب أن نسعى للتمييز لصالح المرأة. وهذا يعني تعديل القوانين والتشريعات بما ينصف المرأة في الأمور المتعلقة بها وبحياتها. فمثلاً الأمور المتعلقة بالصحة الإنجابية حيث تشارك المرأة وتقوم بالجزء الأكبر بما في ذلك من مخاطر وأعباء جسدية وعقلية واجتماعية واقتصادية، وغيرها؛ فلا بد أن تعطى مساحة أكبر من حق أخذ القرار وضبطه. إن الإصرار على المساواة المطلقة بين الجنسين ليست دائماً هي العدل والإنصاف .
4ـ إزالة كافة أشكال العنـف ضد المرأة : والمتمثلة في العنف القائـم على النوع الإجتماعي والعنف ضد المرأة والعنف الجنسي الذي يعتبر مشكلة عامة ومنتشرة ( منظمة الصحة العالمية / مكتب الشرق الأوسط الإقليمي ) وعنصر أساسي تكميلي للصحة الإنجابيـة ( صندوق الأمم المتحدة للسكان 1999 ) .
الصحة الإنجابية في الوطن العربي. وضعها وتحدياتها.
طرأت تغيرات إيجابية ونتائج متطورة على صحة المواليد والأطفال وتوقعات الحياة في كل الدول العربية، وقد أدت الاضطرابات والحروب في بعض الدول المقاطعة بسبب دواعي الحروب إلى مستويات مختلفة ومتباينة بين الدول نفسها. وقد أدى الانخفاض في معدل الوفيات إلى ترك انطباع جيد؛ حيث انخفض من ( 16.6 ) وفاة لكل ألف شخص في السبعينات إلى ( 8.9 ) وفاة لكل ألف شخص في 1998. كما طرأت تحسينات خلال العقود الثلاثة الأخيرة على الخدمات الصحية أدت بالتالي إلى ارتفاع توقـع الحياة إلى ( 60 ) عـام ( مع بعض الاختلافات بين الدول ). وبلغ تسجيل الطلاب في المدارس الابتدائية( 100 %) في معظم الدول العربية، وسجل محو الأمية عند الكبار إنجازات هامة. وعلى الرغم من هذه الإنجازات؛ لا يزال نحو ( 70 ) مليون عربي أكثرهم من النساء الريفيات أميوّن لا يعرفون القراءة ولا الكتابة. وهذا بدوره يشكل علاقة عكسيّة بين مستويات الخصوبة، ووضع المرأة والصحة العامة. فمعدل الخصوبة يتدنّى، ولكن لبس بنفس السرعة التي في أمريكا اللاتينية وآسيا. وفيات الأمهات: يظهر الجدول (13) أن أكثر من نصف الدول العربية تعاني من مستويات عالية لوفيات الأمهات (أكثر من 75 وفاة لكل 100.00 ولادة حيّة ). وأكثر من ثلث الدول العربية تعاني من معدلات أعلى من (200 ) حالة لكل (100.000 ) ولادة حيّة. دولتان عربيتان فقط نجحتا في تقليل هذه النسبة وهما الكويت والإمارات العربية المتحدة لتصل إلى ما هو مقارب للمعدلات الدولية ( ليس أكثر من 5 حالات بين 100.000 ولادة حيّة ) بالإضافة إلى نسبة عالية من الكفاءة والمهارة والخدمات الطبية للحوامـل بلغت (95 %) أو أكثر . بينما استطاعـت دول خليجية أخـرى من تحقيـق مستويات أقل تطـّور (10 ـ20 وفاة لكل 100.000 ولادة حيّة).
واستناداً لإحصائيات منظمة الصحة العالمية حول معدل الوفيات للأمهات، تتوضح المفارقة الكبرى بين الدول الصناعيّة والدول النامية، فالمرأة في الدول النامية احتمال تعرضها للوفاة ثلاث مرات أكثر بسبب الحمل عن المرأة في الدول الصناعيّة، ومن هنا وضعت الدول العربية على قائمة الدول النامية فيما يتعلّق بوفيات الأمهات .
أسباب وفيات الأمهات
إنّ (99 %) ، وبما يقـارب ( 585.000 ) حالة وفـاة سنوية للأمهات هي في الـدول النامية، بما فيها الدول العربية، حيث مشاكل الحمل والولادة تأخذ حياة أم من بين كل (48) أم، ومعظم هذه الوفيات يمكن تجنبها. فهناك أربع مشاكل شائعة وبالغة الأهمية؛ إذا تمّ التأخير في اتخاذ قرار بشأنها شكّلت خطورة بالغة على حياة الأم الحامل وهي :
التأخير في التعرّف على وجود مشكلة تتعلق بالحمل والولادة،
التأخير في اتخاذ القرار بالتدخّل الطبّي،
التأخير في قرار نقل المرأة لموقع الخدمات الصحية، و
التأخير في الوصول إلى هذه الخدمات.
وعليه، فإن وجود ترتيب على مستوى المجتمع المحلّي بهدف تأمين سهولة المواصلات إلى مراكز الأمومة والطفولة والخدمات الصحية؛ أمر بالغ الأهمية في الحفاظ على حياة الأم وسلامتها. وتعود أسباب الوفاة للأمهات في الدول النامية إلى : تعفن الدم ـ تشنّج الولادة ـ النزف ـ عسر الولادة ـ مشاكل الإجهاض. إلاّ أن معظم الوفيات تندرج بسبب النزيف الناجم عن الحمل الخارجي ـ انسداد الأوعية الدموية ـ ضغط الدم الناتج عن الحمل ـ ومشاكل التخدير .
تكمن كيفية الحدّ من هذه الوفيات في توفير خدمات جراحة الولادة الطارئة المزودة بعلاج حالات النزيف، الالتهابات، ضغط الدم، والولادة المتعسّرة. كما أن وسائل إنقاذ الحياة مثل نظام التحويل للمستشفيات والمضادات الحيوية والجراحة ليست متوفرة لنساء كثيرات في الدول العربية، خاصة اللواتي يعيشن في الريف. واستناداً لمعدلات تغطية الخدمات الطبية؛ فإن النسـبة تتراوح بيـن (100 %) في دول الخليج وبين (20 %) في الصومال. فكلّما قلّت نسبة التغطية الطبيّة للسكان كلما اتسعت الفجوة بين سكان الحضر والريف بالنسبة للحفاظ على حياة المرأة فيما حول الولادة.
أمراض الحمل والولادة
تعتبر معدلات الوفاة للأمهات رأس الجبل الجليدي للأمراض الناجمة بسبب الحمل؛ والتي قدّرت بحـوالــي (585.000 ) حالة سينتهي بهم الأمر إلى الوفاة من بين (150 ) مليون أم حامل، (34 ) مليون حالة مشاكل صحيّة بسبب الحمل، (20 ) مليون حالة عجز حقيقي وأمراض شديدة، وملايين الحالات الأخرى التي تفاقمت بسبب أمراض الحمل مثل : الملاريا، فقر الدم، التهابات الكبد، أمراض القلب، السكري، السل، والعديد من المشاكل الأخرى.
في الوطن العربي حيث معدل الوفيات للأمهات لا تزال مرتفعة؛ تشير الدلائل أن أمراض الحمل والولادة هي أكثر مما هو معروف عنها، إلاّ أن قلة المعلومات حول هذه الأمراض من حيث حجمها وأنماطها تشكّل عائقاً لمواجهتها بشكل شامل. يتم الاعتماد كليّاً على المؤسسات الوطنية والدولية في الدول العربية من أجل جمع وتحليل البيانات المتعلقة بالمرأة والصحة فيما حول الولادة .
إن الأمراض المزمنة وسوء التغذية يجعلان الأم غير قادرة على مجابهة المطالب الجسدية للحمل، وفقر الـدم عادة ما يكون من نتائج سوء التغذيـة والتي تؤثر على ما يتـراوح بيـن ( 18 ـ54 %) من النساء الحوامل في الوطن العربي خلال الثلاثة عقود الأخيرة. كذلك عمر المرأة وعدد مرات الحمل لها أثرها البالغ على الاحتمالات المتعلقة بالوفاة أثناء الحمل .
النتائج المترتبة على وفيات المواليد والأطفـال
يعاني المواليد والأطفال من آثار صحة الأمومة المتدنيّة ولنفس الأسباب التي تودي بحياة الأمهات وتتركهن مرضى، حيث تسـاهم هـذه بمـا يقـدر ب(8) مليـون من حـالات ولادة جنين ميت أو موته عند الولادة. وتكمن المأساة حين تموت الأم حيث ترتفع الاحتمالات لوفاة المولود أيضاً. وبدون صحة جيدة للأمهات وتمكينهـن لا يمكن إنجاب أطفـال أصحاء " صادق 993 " .
وفيات المواليد والأطفال
يشير الجدول رقم (9) أن معدل وفيات المواليد الجدد متفاوتة بين الدول العربية، ويلاحظ خفض كبير لهذه المعدلات في كافة الأقطار عدا العراق، حيث أدّت العقوبات والحصار إلى تزايد أعداد الوفيات. واستطاعت كل من البحرين، الكويت، قطر، والإمارات العربية المتحدة خفض هذه الوفيات لمعدلات أقل من (20) وفاة لكل (1000) مولود حيّ. أما في كلّ من جيبوتي، العراق، موريتانيا، الصومال، السودان، واليمن ؛ فقد دلّت النتائج أن معدل وفيات المواليد يصل إلى(95) أو أكثر لكل ألف مولود حيّ ( بالنسبة للعراق ، فقد حقق معدلات منخفضة قبل حرب الخليج ) .
الخصوبة المرتفعة
كما ناقشنا سابقاً، فان معدل المواليد للمرأة قد انخفض من (6.6) طفل لكل امرأة عام 1950 إلى (4.2) طفل لكل امرأة حالياً، مع اختلافات كبيرة بين الدول. وتظل هذه المعدلات مرتفعة جداً عن المعدلات الدولية والبالغ (2.7) طفل لكل امرأة. جدول رقم (14) يشير إلى انخفاض مستويات الخصوبة ما بين عامي 1978 ـ 1988 في كل الدول العربية عدا الصومال واليمن التي حققت أعلى معدل خصوبة في العالم. أربعة دول عربية حققت مستويات خصوبة أقل من (3) لكل امرأة وهي : البحرين، الكويت، لبنان، وتونس وهناك أربعة محددات رئيسية للخصوبة في الوطن العربي وهي :
عمر المرأة عند الزواج .
طول فترة انقطاع الدورة الشهرية بعد الولادة ( الحماية الطبيعية ) .
الإجهاض المتعمّد و
نسبة استخدام وسائل تنظيم الأسرة .
استخدام وسائل تنظيم الأسرة
معدلات استخدام وسائل تنظيم الأسرة في الوطن العربي ليست متوفرة لجميع الدول العربية، فالإحصــائيات متوفرة لعشرين دولة فقط منها (14) دولـة لديها معـدلات اسـتخدام بنسـبة (30 %) أو أكثر لجميع الوسائل، ومن ضمنهاعشرة دول تبلغ نسبة استخدامها للوسـائل الحديثة (30 %) أو أكثر، (9) دول تبلغ نسبة الاستخدام فيها(50 %) أو أكثر لأية وسيلة، أربعة دول منها تستخدم الوسائل الحديثة بنسبة (50 %) أو أكثر. وللوصول إلى خصوبة بمستوى الإحلال السكاني وهو (2.1 ) طفل لكل امرأة؛ فإننا نحتاج لاستخدام وسائل تنظيم الأسرة الحديثة بنسبة (60 %). وتحقيق هذا الهدف لا يعني توقف النمو السكاني وأن يصبح صفراً، فبسبب التضخم السكاني سيواصل النمو السكاني تزايده على مدى قرن قادم حتى يحقق توازن واستقرار وثبات للسكان.
وبنظرة فاحصة للجدول رقم (14) تشير إحصاءات الدول العربية إلى أن المعدلات المرتفعة لاستخدام وسائل تنظيم الأسرة الحديثة كان عليها أن تفضي إلى معدلات منخفضة للخصوبة أكثر من تلك المحققة. وبتفحص مستويات الخصوبة العمرية ومستويات استخدام وسائل تنظيم الأسرة الحديثة يظهر جلياً أن النساء اللواتي ولدن 3 مرّات الشريحة الكبرى لمستخدمات هذه الوسائل. كما تشير الإحصاءات أن استخدام وسائل تنظيم الأسرة بين فئة الشباب ضعيفة، ويكثر الاستخدام غالباً لدى النساء اللواتي أتممن الإنجاب عن النساء اللواتي يباعـدن بين الحمـول ( جدول رقم 15 ). كما أن نسبة الإخفاق وعدم الانتظام في استخدام هذه الوسائل وبخاصة اللولب والحبوب يدلّ على انخفاض نوعية الخدمات. ومع التحسينات التي طرأت على نوعية الخدمات بالإضافة إلى العناية بالأمهات وتعليمهن؛ فان التوقعات تشير إلى زيادة فاعلية هذه الوسائل وخفض لمستويات الخصوبة. وبالمتوسط فإن درجة عدم إشباع الاحتياجات من الوسائل في الدول العربية فتصل معـدّلاتها إلى (18 %). جدول رقم (16) يشير إن نسبة عدم الإشباع تتراوح معدلاتها في أقصاهـا من (38.6 %) فـي اليمــن إلــى (11.2 %) في مصر .

التوازن الإقليمي في شرق أفريقيا وإستراتيجية التدخلات الأجنبية

د.محمد عرب الموسوي
عضو هيئة التدريس بكلية الآداب بزواره مقدمة :
تكمن أهمية البحث في معرفة الأهمية المتزايدة التي أعطيت لمنطقة الشرق الإفريقي في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر ، ولا سيما الحملة التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية ضد ما تصفه بقوى الإرهاب، فإن العلاقات الإقليمية من الوجهة الجيوبوليتيكية بين العالم العربي وباقي دول شرق أفريقيا حيث مثلت دائماً أحد المحاور الرئيسية التي يدور حولها مفهوم الأمن القومي بالنسبة الي كلا الجانبين ، إذ يمكن التعبير عن حقيقة هذه العلاقات الإقليمية في عدد من الأبعاد الأساسية التي تعد في حالة الصداقة دوافع ومحفزات للتعاون ، وفي لحظة العداوة تتحول الي أداة ضاغطة قادرة على أن تهدد العديد من الكيانات العربية ، ومن ثم فهي تعد مسرحاً لتطبيق مبدأ معين من مبادئ التعامل الحركي ، والممثلة بالاتي:
- المبدأ الأول: يفرضه وجود البحر الأحمر بوصفه ممراً مائياً عالمياً وهو دائماً موضع إهتمام القوى الدولية ، ومن ثم فإنه يفرض التعاون العربي والإفريقي.
- المبدأ الثاني: تفرضه مصادر مياه النيل ، حيث تستأثر إثيوبيا وحدها بأكثر من 80% من هذه المصادر، وعليه فإن تلك الحقيقة تفرض ضرورة تأمين التدفق الحالي لمياه النيل .
- المبدأ الثالث: يتمثل في طبيعة الصراعات القائمة في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا عامة ، بما في ذلك جنوب السودان ، والتي تتعدى الأشكال المعتادة في الصراعات الإفريقية ، حيث أنها تدخل في إطار نمط الصراعات الاجتماعية الممتدة .
- المبدأ الرابع: يرتبط بمتغيرات النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ، وخاصة منذ أحداث 11 سبتمبر وتعاظم الدور الأمريكي في المنطقة ، والذي ارتبط بوجود إسرائيلي مكثف في دول شرق إفريقيا .
وعليه فإن امن الدول العربية والإفريقية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعناصر السابقة ، علاوة على ذلك فان مفهوم الأمن الذي نعنيه هنا هو مفهوم مجتمعي متعدد الجوانب، ومتشابك الأبعاد ، وهو ليس مجرد مفهوم عسكري بحت ، وان كان في أبسط معانيه يتمثل في مبدأ أساسي وهو ضمان الحد الأدنى للحماية الذاتية وبهذا المعنى فإن الأمن القومي يعني أن هناك حدوداً لا يجوز لأي قوى أن تتعداها في التعامل ، ولو حدث ذلك فلابد من رد فعل عنيف يضع حداً لمثل هذا التجاوز، كما توجد بعض الحقائق المهمة التي تتمثل بالاتي:
1- إن منطقة شرق إفريقيا لا تطرح مفهوماً واضحاً للأمن القومي مناهضاً للأمن القومي العربي ،وذلك بخلاف المنطقة الشمالية الشرقية لأفريقيا التي يصطدم فيها امن مصر بأمن إسرائيل .
2 - إن الضعف الاستراتيجي في منطقة شرق إفريقيا يمكن أن يكون سلاحاً ذو حدين ، وهو إذا كان يضمن الأمن القومي العربي والإفريقي فإنه يجعل التدخل بمعنى الاختراق الخارجي وإمكانية استغلاله من جانب القوى الدولية أمراً سهل المنال .
وثمة عدة تساؤلات تأتي من حقيقة التفاعلات الإقليمية الراهنة في شرق إفريقيا ، والتي تحاول إعادة رسم الخريطة الجيوبوليتيكية للمنطقة ، بما يعيد ترتيب التوازن الإقليمي القلق الذي يحكم تفاعلات دول المنطقة منذ أن وضعت الحرب الباردة أوزارها .
أول هذه التساؤلات يرتبط بضرورة تحديد بؤر التوتر في هذه المنطقة ، والتي تصير في لحظة معينة مصدراً من مصادر تهديد الأمن القومي العربي والإفريقي، أما التساؤل الثاني فهو تجريبي ينبع من الخبرة المعاصرة في خلق بؤر للتوتر على أطراف العالم لعربي وفقاً لما هو متعارف عليه في فقه العلاقات الدولية باسم (مبدأ شد الأطراف) ، ويتعلق التساؤل الثالث بإمكانية التعامل من قبل الدول العربية والإفريقية مع هذه البؤر ، ومدى تأثير بيئة التنافس العالمي والإقليمي في المنطقة .
وسوف تتم مناقشة هذه التساؤلات في شئ من التفصيل تبعا لجملة من القضايا الرئيسية التي تعد دوافع التعامل إقليمياً ودولياً في منطقة شرق أفريقيا والتي هي على النحو الآتي :
*منطقة جنوب البحر الأحمر وقضية الدور الإقليمي لإريتريا .
* مصادر مياه نهر النيل والتحكم الإثيوبي في معظم هذه المصادر .
* قضايا الاستقرار الداخلي لنظم الحكم والمجتمع في دول المنطقة .
* قضايا الحدود ، والنزاع حولها بين دول المنطقة .
* قضايا التحول نحو الديمقراطية التعددية بمفهومها الغربي الليبرالي .
* التنافس الدولي والسياسات الخارجية تجاه دول شرف افريقيا:
-جنوب البحر الأحمر والدور الاريتري :
للبحر الأحمر أهمية إستراتيجية بوصفه ممراً مائياً عالمياً مهماً يربط بين البحر المتوسط والمحيط الهندي وهو أمرا لا يقبل الجدل في أي تفكير استراتيجي ، وإذا كان هناك غياب عربي واضح لأمن البحر الأحمر، فإن خطورته الحقيقية تبرز بصورة واضحة بالنسبة الي (إسرائيل ) ، حيث تؤكد الحقائق الجيوبولتيكية ذلك عندما اصدر بن جوريون تعليماته في حرب 1948م لموشي ديان بأن يفعل أي شئ مقابل السيطرة على منفذ مائي على البحر الأحمر وهذا ما حدث حينما احتلت إسرائيل قرية (أم الرشراش) العربية وأطلقت عليها اسم (إيلات) عام 1952م، ولعل السبب من وراء ذلك يكمن في أن اسرائيل دون البحر الأحمر تكون مقطوعة الصلة بكل من إفريقيا وآسيا ، وقد اكتشفت تلك الحقيقة منذ حرب أكتوبر 1973م عندما أغلقت البحرية المصرية في وجهها البحر الأحمر في باب المندب .
ومن الملاحظ أن أكثر من 90% من سواحل البحر الأحمر تقع داخل السواحل العربية الإسلامية ، والاختراقات غير العربية لهذه الجغرافية البحرية هما الشاطئ الإسرائيلي عبر إيلات،وكذلك السواحل الاريترية ، وعليه فإن تنظيم أمن البحر الأحمر يتوقف على توافق عربي إفريقي.
ورغم أهمية المدخل الجنوبي للبحر الأحمر من الناحية الإستراتيجية ، فان الدور الاستراتيجي الذي تلعبه جزر باب المندب ـ مثل جزر (بريم ، وموالية ، وحالب ، وأرخبيل حنيش) ، لا يمكن أن يخفى على أحد ، ولعل ذلك يفسر سعي الدول الساحلية لبسط السيطرة على هذه الجزر ، كما ظهر جلياً في النزاع اليمني الاريتري حول جزر حنيش .
إن استقرار الأوضاع في إريتريا منذ استقلالها عام 1993م لصالح التوجه السياسي الذي يمثله (أسياسي افورقي ) ، والذي ذهب بالبلاد بعيداً عن توجهها العربي والإسلامي ، يضفي مزيداً من التعقيد على منظومة امن البحر الأحمر .
وفي هذا السياق يمكن استخلاص الدلالات والنتائج من التطورات التي شهدتها المنطقة منذ استقلال اريتريا والممثلة بالاتي:
1- محاولة القيادة الاريترية القيام بدور إقليمي نشط ، بما يعني إعادة صياغة مفهوم التوازن الإقليمي لمنطقة القرن الإفريقي ، بل والقيام بعمليات فك وتركيب داخل النظام الإقليمي السائد في شرق أفريقيا .
2- الاصطدام الاريتري بإثيوبيا ، والتي تشكل إحدى القوى الفاعلة في المنطقة ، الأمر الذي أدى الي صدامين عسكريين بين الدولتين الجارتين ولم تتوقف الحرب بينهما إلا بعد ما أنهك كل منهما الآخر ، ووصلا الي نفق مسدود .
3- المحاولة الاريترية للسيطرة على جزر حنيش ، وهي المحاولة في التي باءت بالإخفاق بعد أن أقر حكم التحكيم الدولي بسيادة اليمن عليها.
4- سعى القيادة الاريترية بالتقارب مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وتصوير نفسها بأنها المدافع عن المصالح الغربية في المنطقة ، وأنها يمكن أن تكون عوناً للحملة الأمريكية فيما تدعيه بالحرب ضد الإرهاب ، وما يسمى بالأصولية الإسلامية المتنامية في منطقة شرق إفريقيا لقد دفعت هذه الطموحات الاريترية والعلاقات المتوترة مع كثير من دول المنطقة الي بدء حوار أمني بين كل من أثيوبيا والسودان واليمن إثر القمة التي جمعت في صنعاء في أكتوبر 2002م بين الرئيس اليمني ، ونظيره السوداني ، ورئيس الوزراء الإثيوبي ، وقد أعقب ذلك الإعلان عن تشكيل قوة إقليمية من الدول الثلاثة تهدف الي محاربة الإرهاب في منطقة القرن الإفريقي .
وعليه فإنه يمكن القول ـ استناداً الي ما سبق بأن المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الجدار الجنوبي للعالم العربي والإسلامي، وأنه في لحظات معينة يمكن أن يمثل تهديداً خطيراً للآمن العربي والإسلامي ، وذلك من جانب القوى الدولية والإقليمية المتنافسة في شرق إفريقيا ، الآمر الذي يدعو الي ضرورة البحث عن أسلوب أمثل لتنظيم امن هذا البحر
بشكل عام
- مصادر مياه النيل والدور الإقليمي لإثيوبيا :
تتمثل الخطورة الإستراتيجية التي تعد تهديداً للأمن العربي في أن مصادر نهر النيل تقع في اراضٍ غير عربية هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، فإن منطقة شمال وادي النيل ـ حيث توجد أكبر منطقة زراعية تعتمد على مياهه.
ونهر النيل يمر بدولتين عربيتين فقط ، أما الدول الثماني الباقية فهي غير عربية وغير إسلامية ، وتعاني بدورها من مشكلة انفجار سكاني ، الأمر الذي يفرض عليها التوسع الزراعي ومن ثم تنشأ مشكلات تنظيم المياه وتوزيعها واستغلالها ، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بإنشاء السدود الضخمة القادرة على التحكم في هذه العملية ، والسدود الضخمة سلاح ذو حدين وبصفة خاصة بالنسبة إلى مصر والسودان ،فبالرغم من تمكين دول الحوض من عملية التوزيع التي يتم الاتفاق عليها ، فإنه يسمح لدول المنبع بأن تتحكم ولو في حدود معينة وبفترات محددة في تدفق تلك المياه .
وتزداد خطورة قضية المياه في دول حوض النيل لأسباب معينة، منها :
- عدم وجود تنظيم حقيقي بين دول حوض النهر يسمح ببناء حوار جاد وفعال بين هذه الدول ويحسم عملية توزيع مياه النيل واستغلالها.
- وجود تنافس حقيقي بين دول حوض النيل حول إنتاج أنواع معينة من المحاصيل ، وبصفة خاصة القطن طويل التيلة الذي هو في حاجة الي مياه غزيرة .
- إن الصراعات بين دول الحوض قائمة على قدم وساق ، الأمر الذي يمكن القوى الكبرى والأطراف الخارجية من استغلالها لغير صالح المنطقة .
ولا يخفى أن المصالح المصرية السودانية ترتبط بشكل وثيق بمنطقة منابع النيل ، والتي تمثل عمقاً استراتيجياً للدولتين ، حيث إن أي تهديد لتدفق مياه النيل يمثل في الوقت نفسه تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي ، ومن المعروف تاريخياً أن إثيوبيا التي تسهم وحدها بأكثر من 84% من جملة إيرادات مياه النهر ـ تمثل عقبة رئيسية أمام قيام تنظيم قانوني حقيقي يجمع كل دول حوض النيل ، فهي تعتقد بأنها نافورة مياه ومن حقها الاستفادة من هذه المياه ، ولذلك حينما سئل أحد الكتاب الاثيوبين عن أهم صادرات إثيوبيا رد بقوله : (الماء ثم الماء ثم الماء) ولعل ذلك يعكس رغبة إثيوبية في مبادلة المياه بمقابل مادي .
وتسعى القيادة الإثيوبية بعد إعادة ترتيب أوضاع الدولة الجديدة في مرحلة ما بعد عام 1991م الي تقديم نفسها كفاعل إقليمي قوي يمكن الاعتماد عليه ، وهو ما أدى الي دخولها في مغامرات غير محسوبة بدقة ، مثل نزاعها الحدودي مع إرتريا ، وتوتر علاقاتها بشكل قلق مع السودان .
ومن الأمور الجديرة بالذكر هنا ما يتعلق بالسياسة الإسرائيلية في المنطقة ، فالدولة العبرية تعلم جيداً ، حتى بعد توقيع إتفاقية السلام مع مصر عام 1979م ، أن الدولة الوحيدة القادرة على منعها من ممارسة الدور الإقليمي الذي تطمح إليه هي مصر ، ومن ثم فهي تتجه الي محاصرة مصر بشتى الوسائل الممكنة في محيطها ، وبصفة خاصة المحيط الإفريقي .
ولا شك أن أحد أدوات ذلك الحصار قضية مياه النيل ، وبناء على ذلك تجد أن السياسة الإسرائيلية تتعامل مع إثيوبيا بمنطق معين ، وتثير جنوب السودان من منطلق الهدف نفسه ، وتحاول إسرائيل في ظل الأزمة المائية الحادة التي تواجهها أن تشارك في مصادر المياه في حوض النيل ، ففي عام 1974م طرحت مشروع (أليشع كالي) مدير شركة (ناحال) ، والذي يتمثل في نقل مياه النيل الي صحراء النقب عبر أنابيب تمر تحت قناة السويس ، وهو المشروع الذي أطلق عليه اسم (ترعة السلام) ، بل إنها أكدت موضوع المشاركة في الموارد المائية في منطقة الشرق الأوسط ، وجعلها على قائمة أولوياتها التفاوضية في مباحثات السلام العربية الإسرائيلية غير أن هذه المحاولات باءت جميعها بالإخفاق.
- قضايا الاستقرار السياسي في دول شرق إفريقيا :
تعاني دول المنطقة من مشكلات عدة ، انعكست بشكل مباشر على أنظمة الحكم والسياسة ، الأمر الذي أدى الي عدم استقرارها وتغيرها بشكل مستمر ودائم ، وفي هذا السياق توجد ثلاثة مستويات لحالة عدم الاستقرار السياسي التي تسود دول المنطقة :
I- التغيير العنيف للقيادة السياسية ، سواء من خلال الانقلابات العسكرية أو التدخل العسكري .
2- الصراعات الاجتماعية ، وخاصة بين الجماعات العرقية والاثنية الرئيسية في هذه الدول .
3- المحاولات الانفصالية في الحروب الأهلية التي تعاني منها كثير من دول المنطقة .
- التغير العنيف للقيادة السياسية :
شهدت المنطقة بمفهومها الجغرافي 26 حالة تم تغيير القيادة السياسية فيها بشكل عنيف خلال الفترة من نوفمبر 1958م وحتى نوفمبر 2002م ، ولعل ذلك يعكس خطورة عملية تداول السلطة ، وإشكالية الخلافة السياسية في دول المنطقة ،ولا شك أن عدم استقرار القيادة السياسية في شرق أفريقيا يطرح تحدياً أمام التعامل معها من جانب دول الجوار العربي .

- الصراعات العرقية والاثنية :
تشهد دول المنطقة تبايناً عرقياً وإختلافاً إثنياً واضح المعالم ، تم توظيفه في معظم الأحيان لتحقيق أهداف ومآرب سياسية داخلية لمصلحة جماعة حاكمة دون أخرى وهو ما أدى الي تصعيد التوترات الاجتماعية والسياسية بين هذه الجماعات المتمايزة .
إن الظاهرة الاثنية مستمرة في دول المنطقة وغيرها من البلدان الإفريقية ، وهو دليل واضح على عدم فهم جميع أبعاد هذه الظاهرة ، وعلى الرغم من طرح كثير من الحلول السياسية لها فإنها لا تزال تشكل أحد أبرز عوامل عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في الدول الإفريقية. وثمة عدة ملاحظات أساسية لفهم ظاهرة الصراع ألاثني في دول الشرق الإفريقي :
الأولى - إن دول المنطقة كلها تشهد وجود إنقسامات إثنية وعرقية وقبلية منوعة ، وتتباين هذه المجموعات ثقافياً وإجتماعياً ، وقد تمتلك هوية ذاتية تضعها في مرتبة أسمى من الانتماء الي الهوية القومية ، وهو ما يدعم من قناعاتها بالاستقلال والتمايز العرقي .
الثانية - إن هذه الانقسامات تتسم في كثير من دول المنطقة بمستويات عالية من العنف والتسييس ، كما هو في جنوب وغرب السودان وإثيوبيا والصومال .
الثالثة - في ظل هذا التوتر العرقي غالبا ما يتصاعد العداء بين مجموعتين إثنتين على نحو مكثف ، ويزداد الشك بين هاتين الجماعتين ، بحيث تعتقد كل جماعة أنها مهددة من قبل الجماعة الأخرى ، وتتوالى الافعال العنيفة وردود الافعال المضادة ، لحد ممارسة العنف ، ويؤكد هذه الحقيقة تاريخ الصراعات الاثنية في أوغندا وإثيوبيا .
الرابعة - من الملاحظ وجود وعي إثني متزايد ، سواء من حيث مداه أو ثقافته ، ومن ثم فإن المناخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المصاحب له يتسم بالتوتر ، وفي ظل هذه الظروف والأوضاع يكتسب العام الاثني نوعاً من الإشباع والتدعيم الذاتي ، ويورق الانتماء العرقي عبر العملية الاجتماعية للأجيال المتتالية ، فالثغرة الاثنية تسيطر على العائلة ، وأجهزة الإعلام ، والحوارات الخاصة والعامة ، ومختلف وسائط العملية الاجتماعية .
- الحروب الأهلية والمحاولات الانفصالية :
لقد أفضت عمليات الاقتتال المسلح داخل حدود كثير من دول شرق إفريقية الي تكريس حدة عدم الاستقرار السياسي للنظم السياسية القائمة ، ومن ابرز هذه الحروب خطورة الحرب الأهلية في جنوب السودان والمشاكل الحالية في دارفور والصراعات المسلحة بين القوات الحكومية وجماعات المعارضة في أوغندا ، والعداوات ذات التعامل العنيف في إثيوبيا .
ونظراً لأهمية السودان في منظومة الأمن القومي العربي والافريقي ، فانه يشهد صراعا منذ استقلاله في منتصف الخمسينات من القرن الماضي وحتى الآن .
إن السودان محاط بعدد من الدول ذات الوزن الإقليمي، كمصر في الشمال ، وإثيوبيا في الشرق ، وأوغندا في الجنوب ، إضافة دول أخرى محيطة بالسودان ولها خلافاتها ،وان المشكلات العديدة في السودان ترجع لعدة حقائق منها:
- تعد أكبر الدول الإفريقية من حيث المساحة .
- يعاني من فقر شديد على الرغم من امتلاكه لخيرات لا حصر لها ، من بينها النفط ، الفحم النباتي .
- رداءة نظام الاتصال البري والجوي في داخل أرضه والذي يعد من أسوأ النماذج في عالمنا المعاصر .
- يتكون من خليط من الأجناس المتمايزة ، فبينما الشمال تسوده قبائل ذات أصول عربية وتنتمي الي الإسلام ، فإن جنوبه تسوده قبائل أصلها أفريقي زنجي تكاد لا تعرف الإسلام ، وفي الشرق قبائل أكثر انسجاما مع المجتمع الإثيوبي وإن لم تكن وثنية فهي مسيحية ، أما الغرب فإنه يشهد قبائل مختلفة عن بقية سكان الشمال .
- يشهد حروباً طويلة في إقليمه الجنوبي ، بدأت مرحلتها الأولى منذ عام 1955م بعد التمرد العسكري في مدينة (توريت) ، وإنتهت بالتوصل الي تسوية سليمة بمقتضى إتفاقية (أديس أبابا) عام 1972م ، ثم بدأت المرحلة الثانية منها عام 1983م بعد اندلاع التمرد العسكري والاضطراب السياسي مرة أخرى . وقد أثبتت هذه الحروب أن أياً من الطرفين لن يستطيع أن يخضع الآخر بقوة السلاح ، فالشمال لن يستطيع أن يحكم الجنوب فقط بالقوة ، والجنوب لن يتخلى عن رغبته الحقيقية في إبراز هويته الثقافة المتمايزة والمستقلة ،وإذا فصلت مشكلة جنوب السودان عن مشكلات القرن الإفريقي وشرق إفريقيا الأخرى ، لوجد أن جوهر الصراع داخلي يرتبط بتنظيم العلاقة بين الجنوب والسلطة المركزية .
ويمكن في هذا السياق الإشارة إلي ثلاثة متغيرات أساسية التي تعد ضرورية لفهم حقيقة الصراع .
1 - أن الصراع حول جنوب السودان يدخل في دائرة الصراعات الاجتماعية الممتدة التي تختلف في إدارتها عن استراتيجيات إدارة الصراعات المعتادة ، فجنوب السودان لا ينتمي عنصرياً ، ولا يتكلم لغة أهل الشمال نفسها ، فثمة فوارق عرقية ودينية وحضارية.
2ً - وجود الثروات الحقيقية في الجنوب ، إذ أن اكتشاف النفط في الجنوب ،ورفض الحكومة المركزية إقامة مصفاة لتكريره في الجنوب أيام النميري ، بل وسعيها لتنفيذ قناة جونجلي بما يعني مزيداً من المياه للاقليم الشمالي ، كل ذلك أضفى أبعاداً جديدة أسهمت في إطالة أمد الصراع وإتخاذه طابعاً عسكرياً وخصوصاً منذ عام 1983م .
3ً - دور القوى الأجنبية والإقليمية التي تعمل على تكريس الصراع حول جنوب السودان ، وعليه فإن الأبعاد الخارجية عادة ما تفاعل مع الأبعاد الداخلية ، وهو ما يفضي الي زيادة التعقيد في البلاد علاوة على تغذية مشكلة دارفور من أطراف خارجية ومحاولة تدويلها يجعل السودان والمنطقة غير مستقرة.
- قضايا الحدود والنزاع بين دول المنطقة :
تعد مشكلة الحدود من ابرز مخلفات الخبرة الاستعمارية في إفريقيا ، فالحدود السياسية في إفريقيا هي تقسيمات مصطنعة ، رسمت في مؤتمرات أوربا وقد روعي في هذه التقسيمات المصالح والمآرب الاستعمارية وترتب على ذلك تقسيم القبائل الواحدة والشعوب التي تتحدث اللغة الواحدة دون اعتبار للتاريخ أو التقاليد المشتركة أو حتى للحدود الطبيعية الجغرافية وعلى هذا ساهم الاستعمار الاوربى في خلق عدم الولاء القومى بين هذه القبائل ، وتغليب الانحيازات والولاءات الأولية على الانتماءات القومية ومن ابرز المشكلات التي توضح هذا الموروث الاستعماري مشكلة (الازاندى ) في السودان وزائير وإفريقيا الوسطى .
ولعل منطقة شرق إفريقيا تعكس بجلاء أهمية المتغير الحدودي ، بوصفه بؤرة تؤثر على التعامل بين الدول العربية والإفريقية .
ويمكن الإشارة ضمن هذا السياق الى النزاعات الآتية :ـ
- النزاع الصومالي الاثيوبى .
- النزاع الصومالي الكيني.
- النزاع السوداني الاثيوبى الاريتري.
وترجع خطورة هذه المنازعات الحدودية الى عدة أسباب منها :
- إن الامتداد الاقليمى لبعض الجماعات العرقية والأثينية عبر الحدود المشتركة أدى الى حدوث توترات حقيقية بين العرب والأفارقة.
- إن عمليات التفاعل المكثف عبر المناطق الحدودية بين الجماعات الأثينية والثقافية المختلفة أثبتت إنها في لحظات التعاون تمثل تواصلاً بشرياً واقتصادياً وطبيعياً وفى لحظات الأزمة والصدام تمثل خطورة حقيقية ، حيث تزداد نسبة الخسائر المادية والبشرية .
- لقد تم تصوير الكثير من المنازعات الحدودية على إنها مواجهه بين العرب والأفارقة ، يؤكد ذلك المنحى الأسلوب الذي تمت من خلاله معالجة النزاع اليمنى الارتيرى حول (أرخبيل حنيش) إذ سرعان ما أيدت الجامعة العربية اليمن ، وطالبت بانسحاب اريتريا من الجزيرة التي احتلتها وفى الوقت نفسه اصدر الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية بياناً ندد فيه بالموقف العربي وأيد فيه الموقف الاريتري.
- استغلال النزاعات الحدودية من قبل قوى خارجية لإحداث وتعميق بؤر الخلاف والتوتر بين العرب والأفارقة ويلاحظ في هذا السياق أن الدول الأوربية تحاول جاهدة تضخيم الدور العربي في تجارة الرقيق والتقليل من أهمية دور الثقافة العربية والإسلامية في إفريقيا .
- التحول نحو الديمقراطية التعددية بمفهومها الغربي الليبرالي :
- مع التغيرات التي شهدها النظام الدولي وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية في شرق أوربا أضحى الحديث عن الديمقراطية التعددية مسيطراً على لغة الخطاب السياسي ، والحوار الفكري ، والمنتديات الثقافية ، في كثير من مناطق العالم ، ومن بينها إفريقيا، كما أن الدول الغربية المانحة بدأت تفرض ما يسمى بالشروط السياسية ، والتي تنص على ضرورة الأخذ بنظام السوق والتعدد الحزبي من اجل الحصول على القروض والمساعدات من هذه الدول .
- بدأت عملية التحول الديمقراطي طريقها في دول شرق إفريقيا وسط عقبات داخلية وضغوط خارجية.
-ً التنافس الدولي في شرق إفريقيا :
أن منطقة القرن الافريقى وشرق إفريقيا بشكل عام ، تكتسب أهمية خاصة لدى الدول الكبرى وفقاً لاى منطق إستراتيجي أولى ، فهذه المنطقة بمعناها الجيوسياسى الواسع والتي تضم السودان ، وإثيوبيا ، وكل دول الساحل الشرقي للقارة الإفريقية ، بما فيها الدول الإفريقية في المحيط الهندي مثل (سيشل وموريشيوس ) تمتلك عدداً من المقومات المهمة من بينها :
- إنها وفقاً لمنطق الجغرافيا السياسية تعد ذات أهمية بالغة ، إذ تطل دول شرق إفريقيا على المحيط الهندي ، كما إنها تتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عن طريق باب المندب ، وعليه فإنها تتحكم في طرق التجارة العالمية ولاسيما تجارة النفط القادمة من منطقة الخليج العربي .
من هذا المنطلق يوجد اهتماما إستراتيجيا بين منطقتي الخليج العربي ، ومنطقة القرن الافريقى ، حيث إنهما يشكلان ما يمكن أن يطلق عليه اسم (قوس الأزمة) فأي تحركات عسكرية أوربية أو أمريكية متجهه صوب الخليج العربي لابد أن تمر عبر هذه المنطقة .
كما إنها غنية بمواردها الطبيعية مثل النفط الذي أعلن عن اكتشافه في السودان والصومال ، وهى غنية بمواردها المائية حيث منابع النيل ، ولعل ذلك يفسر تفكير بعض القوى العالمية على رأسها الولايات المتحدة ، في إنشاء منطقة القرن الافريقى الكبير التي تربط شرق أفريقا بوسطها عند البحيرات العظمى الغنية هي الأخرى بمواردها الطبيعية .
وهى فضلاً عن ذلك تشهد وجود دول ليست موالية للغرب ، وخاصة بعد الإعلان عن تطبيق الشريعة الإسلامية في كل من السودان والصومال ، وشهدت المنطقة تنامي ظاهرة الأحياء الإسلامي التي اتخذت شكلاً تنظيمياً وحركياً في كل كثير من المناطق ، مثل الاوجادين المحتلة من قبل اثيوبيا وكينيا والصومال ، إضافة الى السودان.
على أن الأهمية الأخيرة ارتبطت بتطورات مابعد 11 سبتمبر ، وما اصطلح على تسميته في الإدارة الأمريكية بالحرب ضد الإرهاب ، إذ يسود اعتقاد جازم بان هناك صلات قوية بين بعض القوى الإسلامية الفاعلة في المنطقة وتنظيم القاعدة.
- السياسات الخارجية تجاه شرف إفريقيا:
اولا- السياسة الأمريكية:
على الرغم من التغير في توجهات السياسة الأمريكية تجاه المنطقة وتجاه إفريقيا بشكل عام منذ عام 1989م، فان الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة ظلت ثابتة بشكل كبير ،فهي تسعى الى حماية خطوط التجارة البحرية عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر، والوصول الى مناطق التعدين والمواد الخام بالإضافة الى محاصرة النظم غير الموالية واحتوائها ثم أضيف هدف آخر بعد الحادي عشر من سبتمبر وهو محاربة التيارات الأصولية الإسلامية في شرق إفريقيا ضمن ماتزعمه إفريقيا محاربة الإرهاب .
يعنى ذلك أن المتغيرات الدولية التي سارت تجاه العولمة الأمريكية أدت الى أعادت توجيه السياسة الأمريكية تجاه شرق إفريقيا وخاصة بعد تفجير سفارتيها في كينيا وتنزانينا عام 1998م، ويمكن أن يعزى الاهتمام الامريكى بشرق إفريقيا الى الأسباب الآتية :ـ
أ- الوجود الاسلامى القوى في المنطقة ، حيث توجد دول إسلامية مثل الصومال وجيبوتي ، فضلاً عن تكتلات إسلامية قوية في دول مثل كينيا وتنزانيا ، ونظراً لهشاشة بناء الدولة في هذه المجتمعات فان القوى الإسلامية عادة مات تتجاوز البناء الرسمي للسلطة .
ب- أهمية دول معينة في شرق إفريقيا ضمن الإستراتجية الأمريكية الخاصة بالاحتواء والمحاصرة للنظم غير الموالية ولاسيما في السودان وليبيا ومن هنا تركز الإدارة الأمريكية على دول مثل كينيا ، وتنزانيا ، وجيبوتي .
ج- من الناحية الأمنية تمثل المنطقة تهديداً محتملاً للمصالح الأمريكية ومصالح الدول الحليفة لها ،ولا سيما (إسرائيل) فثمة علاقات وفقاً للاعتقاد الامريكى بين التنظيمات الإسلامية في بعض دول المنطقة وبين تنظيم القاعدة وقد عزز ذلك الاعتقاد حدثان مهمان :
1: تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا.
2: ضرب أهداف اسرائلية في مدينة مومباسا الكينية عام2002م .
ولتحقيق الأهداف والمصالح الأمريكية سعت الولايات المتحدة الى انتهاج الوسائل الآتية :
أ-محاولة إنشاء بنية أساسية تربط مابين شرق إفريقيا ومنطقة البحيرات العظمى في وسط إفريقيا وهو ما يسمى في الفكر الاستراتيجي الامريكى اسم (القرن الافريقى الكبير) وهو مايسهل بسط الهيمنة الأمريكية على مناطق الثروة الطبيعية ويشجع الاستثمارات الأمريكية في هذا المجال .
ب- التركيز على جيل من القادة الجدد الذين يدافعون بشكل مباشر أو غير مباشر عن المصالح الأمريكية في المنطقة .
- الوجود العسكري في المنطقة:
بدأت الولايات المتحدة بجيبوتي التي تعد اكبر قاعدة فرنسية في شرق إفريقيا وربما يكون اختيار جيبوتي لايخلو من أكثر من مغزى ودلاله ، فهي من الناحية الجيوبوليتكية قريبة من باب المندب ، وتتحكم في بعض الجزر المهمة مثل سيبا وموليله كما أنها تصلح كقاعدة تفيد الوجود العسكري الامريكى في منطقة الخليج وهي تتمتع بقدر نسبى من الاستقرار السياسي ، حيث لم تشهد اى تغيرات عنيفة في بنية السلطة الحاكمة منذ الاستغلال عن فرنسا عام 1977م.
- وضع تصور امريكى لتسوية الصراعات والتوترات التي تشهدها المنطقة:
وضح ذلك من خلال التدخل المكثف في الشأن السوداني عندما تم تعيين مبعوث خاص امريكى للسودان ، وتأييد مبادرة (الإيجاد)على حساب المبادرة المصرية الليبية، وأخيرا دعم الجهود الكينية في رعاية المفاوضات السودانية في (مشاكوس ) لقد باتت الرؤية الأمريكية الجديدة لشرق أفريقا تقوم على أساس اعتقاد مفاده انه على الرغم من أهمية المنطقة استراتجياً وثرائها في الموارد الطبيعية ، فإنها تشكل ملاذاً امناً للإرهاب وهناك تهديدات محتملة للمصالح الأمريكية ، وعليه فان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تتحالف مع دول المنطقة ومع الدول الصديقة من خارج المنطقة ولاسيما (إسرائيل) من اجل اجتثاث ماتسمية جذور الإرهاب يعنى ذلك أن الوجود الامريكى والاسرائيلى المكثف سوف يلقى بظلال سلبية على منظومة التوازن الاقليمى في شرق أفريقيا وعلى حقيقة التعاملات الحركية العربية والإفريقية .
ثانيا- السياسة العربية الإسلامية تجاه شرق إفريقيا:
إن عصر العولمة الأمريكية يحاول تهميش العرب والمسلمين فقد أصبح المسلمون في مرحلة ما بعد الحرب الباردة عدواً استراتيجياً للغرب ، مثلهم مثل وضع دول المنظومة الاشتراكية في مرحلة الحرب الباردة ، فمقولات نهاية التاريخ وصراع الحضارات وقيادات الولايات المتحدة (حروباً صليبية) جديدة في مواجهة ما تسمية بالإرهاب ، تؤكد جميعها أن الأسس المتصورة للنظام العالمي الجديد هي في غير صالح المسلمين .
وعليه فان مايحدث في شرق إفريقيا من تطبيقات لقواعد التعامل على المستويين الاقليمى والدولي يدخل ضمن هذا المنطق في التفكير الاستراتيجي بل أن الحوار بين دول المنطقة أصبح يستخدم لغة الحوار الامريكى الجديد ومفرداته نفسها فجميع قادة شرق إفريقيا يسوغون تحركاتهم بأنها موجهه لمحاربة الإرهاب بل أن كل منهم على حده يحاول أن يعرض نفسه على أن الحليف المناسب للولايات المتحدة في المنطقة .
وممكن تجاوز الهيمنة الأمريكية والاسرائلية على الدول العربية في الشرق الافريقى وذلك من خلال :
1 - إعادة تصحيح المفاهيم التي تعكس المخزون الثقافي والحضاري المتعلق بالعروبة والإسلام ، والافريقانية وإزالة اى إمكانية متصورة للصدام ، وهنا يمكن العمل على تصحيح الصور الذهنية والقوالب الجامدة المرتبطة بالآخر عن كل طرف والتعامل الجاد والواعي من القضايا الحساسة في تاريخ الذاكرة الجماعية لإطراف الحوار مثل قضية الدور العربي والاسلامى في تجارة الرقيق الإفريقية .
2ً-عدم اختزال العلاقات مع دول المنطقة في مجال واحد من المقايضات السياسة والمقابل التجاري ، إذ ينبغي إقامة شراكة حقيقة في إطار منظومة دول الجنوب ويمكن أن تتحقق هذه الشراكة عبر مناهج ومسارات متكاملة :ثنائي، ودون الاقليمى ، والجماعي ،والمؤسسي .
3- الاتفاق على أسس جديدة للتعاون بين العرب ودول شرق إفريقيا بما يحقق المنفعة المتبادلة لكل طرف وينبغي أن لايتم اختزال العلاقات في مسألة الدعم المالي .
4ً - التركيز على المدخل غير الحكومي ونعنى بذلك مؤسسات ومنظمات المجتمع الاهلى التي تستطيع أن تستفيد من المواريث الحضارية والثقافية فثمة مكون اجتماعي عربي واسلامى في دول المنطقة لا يمكن إنكاره .
إن الطريق ليست معبدة تماماً أمام المساعي الأمريكية والإسرائيلية لبسط هيمنتها على منطقة شرق إفريقيا وليس أدل على ذلك من الاحتجاجات الشعبية على هذا الوجود والهجمات التي استهدفت مصالح البلدين وعليه فإننا بحاجة إلى ايلاء التفكير الاستراتجي بإبعاده الشاملة أهمية كبيرة وذلك يعنى أن نخرج من آثار الاعتبارات السياسية والمصلحية الضيقة.
إن التحديات المطروحة في عصر الهيمنة الأمريكية هو جد خطيرة ومن ثم فان الاستجابة لها لابد أن تكون على المستوى نفسه من الجدية أن الخطر الذي يتهدد عالم المسلمين وعالم دول الجنوب يتطلب حتمية التعاون والحوار الإستراتيجي بين كل الأطراف ،ولا ينكر المسئولون الأمريكيون أن احد أسباب إنشاء قيادة عسكرية خاصة بأفريقيا هو تأمين واستقرار التنقيب عن النفط والمعادن في القارة الأفريقية، فقد شكلت الاضطرابات التي تكررت في حقول النفط في منطقة دلتا النيجر خاصة في الحقول النيجيرية منذ عام 2003 ولحد الآن، ناقوس خطر لدولة تعتمد بشكل كبير على نفط هذا الإقليم.
إضافة إلى أن تزايد نشاط تنظيم القاعدة في القرن الأفريقي، دعت الولايات المتحدة إلى ضرورة وجود عسكري واستخباراتي أمريكي كثيف في المنطقة، حيث أعلن روبرت غيتس وزير الدفاع الأمريكي في السادس من فبراير الماضي أمام لجنة التسلح في مجلس الشيوخ أن الرئيس بوش قد اعتمد قرار بإنشاء قيادة عسكرية أمريكية جديدة للقارة الأفريقية بدلا من الوضع الراهن الذي يقسم القارة بين ثلاثة قيادات عسكرية.
وعند دراسة الخلفيات والأهداف من وراء ذلك يتضح انه لم تشغل القارة الأفريقية لسنوات طويلة حيزا كبيرا من اهتمام السياسة الخارجية الأمريكية، حيث لم تجد في النفوذ الفرنسي أو البريطاني في القارة تهديدا لمصالحها، ولذلك كانت القارة الأفريقية في الخارطة العسكرية الإستراتيجية للولايات المتحدة مقسمة بين ثلاثة قيادات عسكرية أمريكية، حيث كانت مصر ودول القرن الأفريقي تنتمي إلى القيادة العسكرية الوسطى، أما جزيرة مدغشقر فكانت تنتمي إلى قيادة الباسفيك ، بينما كانت بقية دول القارة تنتمي إلى القيادة الأوربية، لكن التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية التي شهدتها القارة في العقد الأخير، والتحولات التي شهدتها السياسة الأمريكية بعد هجمات 11 سبتمبر قد غيرت من رؤية صناع السياسة والإستراتيجية الأمريكيين للقارة الأفريقية.
وللأسباب الرسمية التي دفعت وزارة الدفاع إلى إنشاء قيادة عسكرية جديدة للقارة الأفريقية بمفردها، وردت على لسان قيادات واشنطن السياسية والعسكرية فقد ذكر ريان هنري Ryan Henry مساعد وزير الدفاع لشئون التخطيط والسياسات ، أن الهدف الرئيسي من إنشاء هذه القيادة خلق وتنمية بيئة مستقرة في القارة الأفريقية تشجع على إقامة مجتمعات مدنية، والعمل على تحسين ظروف مستوى المعيشة لشعوب القارة.
وأضاف المسئول العسكري الأمريكي أن أفريقيا التي تمثل مساحتها نسبة 35% من مساحة العالم، ويبلغ عدد سكانها نسبة 25% من عدد سكان العالم، تزداد أهميتها بصورة مطردة، وأنه قد حان الوقت للولايات المتحدة أن تعي وتدرك هذه الأهمية، وأوضح ريان هنري أن مهمة القيادة العسكرية الأفريقية الجديدة التي أطلق عليها افريكوم AFRICOM ، ستكون المساعدة في جهود نزع فتيل النزاعات ، وتأمين بيئة أمنية مستقرة تكون قادرة على هزيمة شبكات والتنظيمات الإرهابية.
وفي تفسيره لضرورة وجود القارة الأفريقية ضمن قيادة عسكرية أمريكية واحدة ، قال المسئول الأمريكي إن شعوب القارة تنظر إلى القارة بوصفها كيان جغرافي وثقافي وسياسي واحد، وأنهم ينتمون إلى قارة واحدة ، ولذلك حرصت القيادة العسكرية الأمريكية على تبني نفس نظرة أبناء وشعوب القارة، وان الإرهاب، النفط، الصين، ليبيا هي الأسباب الحقيقة التي دفعت أمريكا بالتدخل في القارة إذ لا جدال في أن الأحداث التي شهدتها منطقة شرق أفريقيا من تفجير لسفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في عام 1998 ، ومن بعدهما تفجير السفينة الحربية الأمريكية كول في خليج عدن عام 2000، وتزايد نشاط تنظيم القاعدة في القرن الأفريقي، نبهت الولايات المتحدة إلى ضرورة وجود عسكري واستخباراتي أمريكي كثيف في المنطقة، ومن ثم كان تفعيل الوجود العسكري في جيبوتي تجاوبا مع هذه الضربات الموجعة. وبعد 11 سبتمبر أصبح الهاجس الأمني العامل الأكثر تأثيرا في تخطيط السياسات الأمريكية، وباتت الحرب على الإرهاب إحدى إستراتيجيه إدارة بوش.
ولا يمكن قراءة قرار إنشاء قيادة عسكرية أمريكية خاصة بأفريقيا بمنأى عن رؤية القيادات الاستخباراتية والعسكرية بأن بعض المناطق والأقاليم الأفريقية يمكن أن يمثل خطرا وثغرة أمنية ضد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة. والأمر لدى البعض يتجاوز الصومال أو منطقة شرق أفريقيا، أو دول الشمال الأفريقي فحسب، بل هناك مخاوف من تزايد خطر الأصولية الإسلامية في بلدان غرب أفريقية مثل النيجر وشمال نيجريا.
بالإضافة إلى مجابهة الإرهاب في أفريقيا كسبب لضرورة وجود القيادة العسكرية الأمريكية الجديدة، فإن ليبيا ورغم كل مظاهر التطبيع الأخيرة مع الولايات لمتحدة، لاتزال تسبب قلق للسياسية الأمريكية، يتعلق أيضا بمحاولات ليبيا المتكررة في السنوات الأخيرة للحصول على
نفوذ متزايد خاصة فيما يعرف بإقليم الساحل والصحراء وطموحها بدور قيادي في القارة يزعج واشنطن، خاصة وأنها تعتبر السياسات التي تتبعها ليبيا من اجل الوحدة الإفريقية والنهوض بالواقع الإفريقي على جميع المستويات امرأ يزعج الإدارة الأمريكية.
وإذا كان من السهل حصار الدور الليبي في القارة ، فإن النفوذ الاقتصادي والتجاري والاهتمام الصيني المتزايد بمختلف أنحاء أفريقيا يظل من العوامل الرئيسية لقلق الإدارة الأمريكية، ومن الدوافع التي أجبرت الولايات المتحدة على إعادة صياغة سياستها تجاه أفريقية.
ولا ينكر المسئولون الأمريكيون أن أحد أسباب إنشاء قيادة عسكرية خاصة بأفريقيا هو تأمين واستقرار التنقيب عن النفط والمعادن في القارة الأفريقية، فقد شكلت الاضطرابات التي تكررت في حقول النفط في منطقة دلتا النيجر خاصة في الحقول النيجيرية منذ عام 2003 ، ناقوس خطر لدولة تعتمد بشكل كبير على نفط هذا الإقليم.
ويمكن تفهم ذلك في ضوء تقارير إستراتيجية أمريكية تتوقع أن تلبي القارة الأفريقية 25% من احتياجات الولايات المتحدة من النفط بحلول عام 2015 ، وفي هذا السياق من المتوقع أن يكون أحد مراكز انتشار القوات العسكرية الأمريكية في القارة هو خليج غينيا.
إن الكيان الجديد "أفريكوم"القارة الأفريقية بأكملها باستثناء مصر، ستكون ابتداء من 30 سبتمبر عام 2008 تحت قيادة عسكرية أمريكية واحدة، هي القيادة الأفريقية أو "أفريكوم" AFRICOM كاختصار لعبارة Africa Command. وسوف تدار هذه القيادة مؤقتا من قاعدة عسكرية أمريكية في مدينة شتوتغارت الألمانية.
وكان الكونغرس قد خصص ميزانية يبلغ حجمها 500 مليون دولار لمدة ست سنوات لتمويل مبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء الأفريقية بتقديم مساعدات لدول مثل الجزائر وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر والسنغال ونيجيريا والمغرب لمواجهة أي تهديدات محتملة من تنظيم القاعدة، كما حرصت وزارة الدفاع في عام 2004 على توقيع عدد من معاهدة أمنية وعسكرية مع دول في مختلف أرجاء القارة، فضلا عن اتخاذ دولة جيبوتي مقرا لقاعدة عسكرية إستراتيجية، وسوف يتم الاستفادة عند تشكيل القيادة العسكرية الجديدة من كافة هذه المبادرات والاتفاقيات والقواعد كأساس يبنى عليه القاعدة الأفريقية.
ثالثا- السياسة الإسرائيلية تجاه شرق إفريقيا :
أن اهتمام (إسرائيل ) بمنطقة شرق إفريقيا يسبق تأسيس الدولة العبرية فقد كان التفكير أولا يدور حول إنشاء وطن قومي لليهود في كينيا أو أوغندا وكانت فكرة الاستيطان فى إفريقيا احد الحلول المقترحة لترحيل يهود روسيا .
ويلاحظ أن (إسرائيل) ركزت بشكل خاص على دول شرق إفريقيا ولاسيما دولاً مثل كينيا وإثيوبيا فقد حافظت إسرائيل على وجودها في اثيوبيا بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم حيث أنها تأثرت تقليدياً بعدد من المتغيرات المهمة مثل وجود جالية يهودية كبيرة (يهود الفلاشا) صحيح أن (إسرائيل ) تمكنت من نقل معظم يهود الفلاشا ، إلا أن بعض الإحصاءات تؤكد وجود نحو خمسة عشر الفاًَ من اليهود لايزالون يعيشون في اثيوبيا ومن جهة أخرى فان ترتيب التوازن الاقليمى في المنطقة يرتبط بالأمن القومى العربي ، ً وذلك على ضوء العلاقات الصومالية الأثيوبية والإريترية الأثيوبية ولاشك أن الوجود الاسرائيلى في المنطقة يساعد عل تحقيق أهداف (إسرائيل) الأمنية.
وإذا كانت إسرائيل تسعى الى تامين البحر الأحمر وخاصة عند مدخله الجنوبي فإنها كما ذكرنا من قبل تركز على قضية مياه النيل واستخدامها ورقة للضغط على الإرادة المصرية والعربية نظراً لحساسية موضوع المياه لدى كل من مصر والسودان فثمة سعى (اسرائيلى) حثيث لتقديم الدعم والمشورة الفنية لإثيوبيا وغيرها من دول حوض النهر وخاصة في مجال إنشاء السدود وتعظيم الاستفادة من موارد النهر .
وعلى صعيد آخر تسعى( إسرائيل ) الى الوقوف في وجه الحركات والمنظمات الإسلامية القوية في منطقة شرق إفريقيا وهى تسعى من جراء ذلك الى تحقيق أكثر من هدف واحد فهي تقدم نفسها للولايات المتحدة وأوربا على إنها المدافع الأول عن القيم الديمقراطية العلمانية في مواجهة الحركات الأصولية الإسلامية وهى من جهة أخرى تحاول مساعدة الدول الإفريقية في ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية وهى مجالات كانت (إسرائيل) موجودة فيها أصلا وتمتلك مصداقية كبيرة لدى الدول الإفريقية .
وتركز إسرائيل وجودها المكثف بمنطقة شرق إفريقيا على سلاح المساعدات الفنية والعسكرية وهى تشتمل منذ البداية على ثلاثة مجالات أساسية وهى نقل المهارات التقنية وغيرها من خلال برامج تدريبية معينة وتزويد الدول الإفريقية بخبراء إسرائيليين لمدة قصيرة أو طويلة وإنشاء شركات مشتركة أو على الأقل نقل الخبرات والمهارات الإدارية للشريكات الإفريقية .
وأيا كان الأمر فان (إسرائيل) بتعويلها على السلاح والمساعدات الفنية والتقنية في الوقت نفسه الذي تعثرت فيه مسيرة التعاون العربي والاسلامى مع إفريقيا وقد أرست دعائم إستراتيجية جديدة بعيدة المدى لتحقيق الهيمنة الإقليمية وإنشاء (إسرائيل الكبرى ) وذلك هو التحدي الذي يواجه عملية بناء أسس جديدة لدعم الوجود العربي والاسلامى في دول شرق إفريقيا .
إن بروز الدور الامريكى والاسرائيلى في منطقة الشرق الافريقى مع تراجع أو تجميد الدور الاوربى ينطوي على مخاطر جمة بالنسبة الى منظومة الأمن القومى العربي والاسلامى إذ لم يعد التأثير الصهيوني على السياسة الأمريكية قاصراً على القضية الفلسطينية وإنما تجاوزها ليشمل على مناطق أخرى من العالم وهو مايعنى إعادة ترتيب خريطة التوازنات الإقليمية في هذه المناطق بما يخدم مصالح كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وذلك على حساب إطراف أخرى .
وتتسم العلاقات بين "إسرائيل" والدول الأفريقية بأنها حملت على الدوام أبعاداً ومضامين أيديولوجية ويعزى ذلك إلى أكثر من حقيقة واحدة:
أولها- أن فرض الكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط أدى إلى خلق نظام إقليمي صراعي بحيث أضحى سمة لازمة للتفاعلات العربية "الإسرائيلية".
ثانيها- ارتباط وتأثر العلاقات "الإسرائيلية" الأفريقية بالعلاقات العربية الأفريقية. وأدى ذلك إلى اعتبار القارة الأفريقية ساحة للتنافس والصراع بين "إسرائيل" والدول العربية.
ثالثها- ارتباط كل من "إسرائيل" والعرب بالتحولات في النظام الدولي وانفراد الولايات المتحدة كقوة قطبية واحدة في عالم ما بعد نهاية الحرب الباردة، وهو ما اسرائيل التي راحت تعيد ترتيب أولويات حركتها الخارجية بما يحقق لها الهيمنة الإقليمية في أفريقيا.
وهناك أكثر من مؤشر على النجاح "الإسرائيلي" في أفريقيا، ولعل المؤشر الأكثر دلالة على محاولات الهيمنة "الإسرائيلية" على أفريقيا هو عدد التمثيل الدبلوماسي فيها الذي قفز من 6 بعثات عام 1960 إلى 23 بعثة في عام 1961، إلى 32 بعثة في 1972، وتزايد هذا العدد بعد توقيع اتفاقية كامب دايفد، وبلغ مداه بعد توقيع اتفاقية أوسلو حتى إنه صار اليوم ل "إسرائيل" علاقات دبلوماسية مع 42 دولة أفريقية وليس هناك سوى ثلاث دول أفريقية لم تقم بإقامة علاقات مع "إسرائيل" ومنها تشاد الذي يتردد هذه الأيام بواسطة وسائل الإعلام "الإسرائيلية" أن هناك مفاوضات لإقامة علاقات دبلوماسية معها وأن الإعلان عن ذلك سيتم قريبا.
كما نجحت "إسرائيل" - بمساعدة الولايات المتحدة - في تأمين سيطرتها على بعض مشاريع الري في منطقة البحيرات، حيث تقوم بتقديم الدعم الفني والتكنولوجي من خلال الأنشطة الهندسية للشركات "الإسرائيلية" في مجال بناء السدود المائية. وقدمت "إسرائيل" دراسات تفصيلية إلى زائير ورواندا لبناء ثلاثة سدود، كجزء من برنامج شامل لإحكام السيطرة على مياه البحيرات العظمى. وقام خبراء "إسرائيليون" باختبارات للتربة في رواندا، حيث يتوجه الاهتمام "الإسرائيلي" بوجه خاص إلى نهر كاجيرا الذي يمثل حدود رواندا مع بوروندي في الشمال الشرقي.
كما وقعت أوغندا و"إسرائيل" اتفاقًا في مارس 2000 -أثناء زيارة وفد من وزارة الزراعة الإسرائيلية"، برئاسة مدير الري بالوزارة"- ينص على تنفيذ مشاريع ري في عشر مقاطعات متضررة من الجفاف، وإيفاد بعثة أوغندية إلى "إسرائيل" لاستكمال دراسة المشاريع التي يقع معظمها في مقاطعات شمال أوغندا بالقرب من الحدود الأوغندية المشتركة مع السودان وكينيا، وسيجري استخدام المياه المتدفقة من بحيرة فيكتوريا لإقامة هذه المشاريع، وهو ما يؤدي إلى نقص المياه الواردة إلى النيل الأبيض .
أما الواردات "الإسرائيلية" من كينيا فقد تضاعفت مرتين ونصف المرة، من 6.8 إلى 9.20 مليون دولار سنوياً، بينما تضاعفت الصادرات "الإسرائيلية" مرتين تقريبًا من 14 مليون دولار إلى 3.29 مليون دولار، أما فيما يخص الكونغو، فقد وصلت الواردات "الإسرائيلية" منها إلى مليون دولار تقريبًا بعد أن كانت لا شيء تقريبًا، أما الصادرات "الإسرائيلية" فتضاعفت عشر مرات تقريبًا، من 9.0 إلى 2.5 مليون دولار سنوياً.
ويمكن القول أن الأهداف الأساسية للتواجد "الإسرائيلي" في أفريقيا بوجه عام يتمثل بالاتي:
1- السعي لتحقيق متطلبات الأمن "الإسرائيلي" في جوهره رغم تعدد نظريات الأمن "الإسرائيلي" لكن الجوهر ظل واحداً على الدوام، لقد رأى "الإسرائيليون" - بزعمهم أن خطر الاعتداء يحيق بهم ويحاك ضدهم من جراء إحاطة العرب لهم ، والالتفاف نحو العرب باعتبارهم عناصر هذا الحصار، ولن يفك الحصار سوى الحصار، يعني النزوع إلى توسيع ما أطلقوا عليه "المجال الاستراتيجي الحيوي" وكانت أفريقيا دوماً هي أهم أقطاب هذا المجال الاستراتيجي الحيوي وتم ترجمتها في إستراتيجية تعزيز الوجود "الإسرائيلي" في أفريقيا لأن "إسرائيل" سعت دائماً إلى تحقيق ما عرف بالأمن المطلق أو الأمن الكامل، والذي يعني في المقابل اللا أمن بالنسبة للدول العربية، وما يرتبط بذلك من ضرورة التحكم في المنطقة، من خلال مجموعة من الآليات، من أهمها : خلق علاقات ودية مع الدول الأفريقية، الوجود العسكري في بعض المناطق،أي أصبح الأمن القومي العربي بل والأمن القطري لكل بلد على حدة، هدفاً استراتيجياً للتحرك "الإسرائيلي" في القارة الأفريقية، لذا سعت المحاولات "الإسرائيلية" للحيلولة دون أن يصبح البحر الأحمر بحيرة عربية وضمان هجرة اليهود الأفارقة إلى "إسرائيل".
2- كسر حد العزلة الدولية التي فرضتها عليها الدول العربية ومحاولة كسب قواعد للتأييد والمساندة وإضفاء نوع من الشرعية السياسية عليها في الساحة الدولية وفي هذا الإطار نظرت "إسرائيل" للساحة الأفريقية باعتبارها ساحة للنزال بينها وبين العرب وفقا لقواعد النظرية الصفرية.
3- كسب تأييد الدول الأفريقية من أجل تسوية الصراع العربي "الإسرائيلي" وفق الرؤية "الإسرائيلية" باعتبار أن الدول الأفريقية بعيدة عن أي انحيازات سابقة لمصلحة أي من الطرفين ما يجعلها وسيطاً مقبولاً.
4- العمل على تحقيق أهداف أيديولوجية توراتية خاصة بتقديم "إسرائيل" على أنها دولة "نموذج" لشعب الله المختار، ويفسر ذلك أن "إسرائيل" اعتمدت دائماً على تقديم المساعدات التقنية والتنموية للدول الأفريقية حتى في حالة عدم وجود علاقات دبلوماسية معها، ويُعَدّ مركز التعاون الدولي في وزارة الخارجية "الموشاف" -الذي يرأسه نائب وزير الخارجية- الجهاز المسئول عن تصميم وتنفيذ سياسات التعاون مع الدول الأفريقية. وكان "الموشاف" من وسائل الاتصال الأساسية مع كبار المسئولين في الدول الأفريقية، على الرغم من قطع العلاقات الدبلوماسية، كما حدث مع كينيا وزامبيا وتنزانيا وأثيوبيا، حيث كانت العلاقات الاقتصادية والفنية أكثر قوة من العلاقات السياسية.
- دور الجاليات اليهودية في أفريقيا:
تحتضن أفريقيا جاليات يهودية متفاوتة الأحجام ومتباينة القوة والتأثير، ففي شمال أفريقيا جماعات من اليهود السيفارديم الذين قدموا بالأساس من أسبانيا والبرتغال خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، أضف إلى ذلك أنه قدمت إلى أفريقيا جماعات من اليهود الاشكيناز من شمال وشرق أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وإذا كان حجم هذه الجاليات، خارج جمهورية جنوب أفريقيا هو جد متواضع إلا أن وضعها الاقتصادي في بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء مثل كينيا يتسم بالقوة والتأثير.
ويمكن القول إن يهود الفلاشا الأثيوبيين يمثلون واحدة من أفقر الجاليات اليهودية في العالم على الرغم من اعتقادهم الراسخ بأنهم يمثلون القبيلة المفقودة في التاريخ "الإسرائيلي"، وقد تم نقل معظم الفلاشا إلى "إسرائيل" جواً عبر السودان فيما عرف باسم "العملية موسى" والتي بدأت في عام 1983 ووصلت إلى ذروتها خلال الفترة بين 1984-1985.
رابعا- السياسة الصينية اتجاه إفريقيا بوجه عام وشرقها بوجه خاص:
تفردت الولايات المتحدة الأمريكية كقوة دولية وحيدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة, وتميز النظام الدولي الجديد كما أطلقه جورج بوش الأب في أوائل التسعينيات باعتماده على قوة دولية واحدة, وقد أنهى ذلك حالة التوازن الدولي ونظام ثنائية الأقطاب الذي ساد العالم بعد الحرب العالمية الثانية وحدد قوانين العلاقات الدولية في المرحلة الجديدة.
ويتفق علماء السياسة والعلاقات الدولية أن النظام الدولي السائد هو نظام القطب الواحد, ويعتمد هذا النظام على القوة والنفوذ للاعب السياسي الأوحد في كل المجالات: العسكرية (الولايات المتحدة تنفق 54% من مجل الإنفاق العسكري في العالم)، الاقتصادية باعتبارها القوة الاقتصادية الأولى, وصاحبة الناتج القومي الأعلى, كما أنها تستهلك 52% من مجمل الطاقة بأنواعها في العالم, بالإضافة إلى قوة المعرفة والتكنولوجيا. ولكنهم يشيرون في أدبياتهم التي ظهرت في سنوات التسعينيات وبداية القرن الحادي والعشرين, أن النظام الدولي لا يحتمل قوة دولية واحدة , وانه لا بد له من إفراز قوة دولية أخرى أو مجموعة قوى دولية تعيد للنظام الدولي توازنه وقوانينه الطبيعية في الصراع على النفوذ والقوة والطاقة إلى جانب هذه القوة تتنافس قوى دولية أخرى في النظام الدولي, ولكنها لا تملك حاليا إرادة سياسية لمشاركة الولايات المتحدة في إدارة النظام الدولي, ولأن الإرادة السياسية جزء هام في ذلك, فإنها تكتفي بالعمل السياسي والدبلوماسي في مواقع ومساحات أخرى, مثل الساحة الاقتصادية أو العلمية, أو حتى السياسية ولكن في المواقع الأقل حيوية واقل احتكاكا من اللاعب السياسي المركزي في النظام الدولي, مثل الابتعاد عن التأثير في منطقة الشرق الأوسط مثلا, لأن في ذلك احتكاكا مباشرا مع القوة الدولية الأولى تعتبر الصين القوة الواعدة في النظام الدولي, وتستند هذه القوة على النمو والنجاح الاقتصادي الباهر للصين ومعدلات النمو الجامحة لهذا البلد الكبير, فقد سجلت الصين نموا اقتصاديا يصل إلى 10.5% في العام 2005، ويصل دخل الفرد السنوي إلى 6800دولارا (في دولة يصل عدد سكانها إلى مليار وثلاثمائة مليون نسمة)، كما يدرس في الصين 17مليون طالب جامعي, ويتخرج كل سنة أكثر من 300ألف مهندس إلى سوق العمل, وفي هذه الأثناء يتم بناء 800مطار في الصين, ومن المتوقع أن يشكل قطاع الطيران الصيني, القوة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة، لا شك أن الصين تسجل نجاحات باهرة على المستوى الاقتصادي والعلمي ولكنها تدرك أنها لا تزال بعيدة عن القوة الدولية التي تملكها الولايات المتحدة الأمريكية في كل المجالات, حتى في المجال الاقتصادي، لهذا السبب لم تنعقد النية والإرادة السياسية بعد للتنين الصيني أن يعلن عن نفسه قوة دولية إلى جانب الولايات المتحدة, رغم أنها عضو دائم في مجلس الأمن وتملك حق النقض الفيتو, إلى جانب كونها قوة نووية متقدمة. فالقوة الدولية تحتاج إلى الكثير من العمل على المستوى الذاتي, ولكن ليس اقلها أيضا هزة في النظام الدولي تعيد ترتيبه من جديد كما كان واقع النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة التي أعلن عن نهايتها في حرب الخليج الأولى. كما أن من معوقات ذلك ضيق مساحة الحريات في نظامها السياسي وما يلاقي من معارضة في الغرب .
بدأت الصين في السنوات الأخيرة ببناء مراكز نفوذ جديدة, معتمدة على العلاقات الاقتصادية المتبادلة والمعونات المالية الضخمة, ويبدو أن هنالك منطقتين تثيران اهتمام الصين في الوقت الحالي, المنطقة الأولى: هي أفريقيا, والمنطقة الثانية: جنوب شرق آسيا, والتي لها صلة مباشرة بالأمن القومي الصيني (مثل العلاقات مع اليابان, كوريا الشمالية, قضية تايوان وغيرها). إن هنالك اهتماما صينيا واضحا بالقارة الأفريقية, وهي قارة بعيدة عن الاحتكاك المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة, ومصدر للطاقة من جهة ثانية ،وبدأ المسؤلين الصينيين في زيارة لدول افريقية وتأتي هذه الزيارة بعد انعقاد مؤتمر الدول الأفريقية في الصين لتعميق العلاقات والتبادل الاقتصادي بين القارة الأفريقية ودولة الصين, وفي هذا المؤتمر قدمت الصين منحا اقتصادية بقيمة خمسة مليارات يورو كمساعدات ومنح وقروض للدول الأفريقية, وهنالك توجه لزيادة الدعم المالي والاقتصادي لأفريقيا على شكل إقامة مشاريع صينية للإسكان وتنقية المياه والري وغيرها من المشاريع وتكمن أهمية القارة الأفريقية للصين في المجالات التاليةعلى المستوى السياسي: تعميق النفوذ السياسي الصيني في القارة الأفريقية من خلال الدعم الاقتصادي, كجزء من رؤية صينية للتأثير على المجريات العامة لهذه القارة, وكسب ود هذه الدول في رفع المكانة الدولية للصين،وعلى المستوى الاقتصادي تشكل القارة الأفريقية سوقا اقتصادية, اذ تسعى في مضاعفة التبادل التجاري مع القارة الأفريقية, فقد قفز معدل التبادل التجاري بين الصين والقارة الأفريقية إلى 40%, ليصل إلى 5،55 مليار يورو في العام 2006, وفي نفس الوقت فإن أفريقيا مستفيدة من هذا التبادل التجاري حيث أن ميزان التبادل التجاري كان لصالح أفريقيا بقيمة 1،2 مليار يورو ، وتهدف الصين إلى تعميق التبادل الاقتصادي بين الطرفين وزيادته, ففي العام 1995, وصل حجم التجارة بين الطرفين إلى 3 مليار دولار, وقفز إلى 40 مليار دولار في العام 2005, ومن المتوقع أن يصل إلى 100مليار دولار حتى العام 2010،وعلى مستوى الطاقة، تبحث الصين عن مصادر بديلة, كما تفعل ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الغربية, فقضية إيجاد مصادر بديلة للطاقة تحولت إلى أجندة هامة في التفكير الدولي, والصين كقوة اقتصادية صاعدة بحاجة إلى مصادر طاقة بديلة وداعمة للتطور الاقتصادي, وتعتقد الصين أن ذلك متوفر في القارة الأفريقية, لهذا السبب عارضت الصين فرض عقوبات اقتصادية على السودان في قضية دارفور بسبب أن السودان توفر للصين كميات كبيرة من النفط أن نقول أن الصين هي بحق قوة اقتصادية صاعدة ومرشحة أن تكون القوة الدولية القادمة, لكنها لا تزال بحاجة للكثير لتصل إلى النفوذ والقوة الدوليين اللذين تتمتع بهما الولايات المتحدة الأمريكية, وأهمهما الإدارة السياسية.
خامسا- السياسة الاوربية:
اتجهت جهود الدول الأوربية للتعامل مع القارة وقضاياها في صورة من الدعم الاقتصادي والإنمائي، حيث رأت أنه المدخل لها بعد أن سبقتها الولايات المتحدة الأمريكية والصين في خلق نوع من الشراكة مع القارة.
وإذا كان المدخل للولايات المتحدة الأمريكية هو المدخل السياسي والعسكري، فإن الاتحاد الأوروبي اتخذ المدخل الاقتصادي التنموي، بعد أن أصبحت القارة على رأس أولويات السياسة السياسية الاقتصادية والخارجية لكل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية.
وربما يمثل الاهتمام الأمريكي والصيني تدخلاً في مناطق النفوذ الأوروبية التقليدية، إلا أن أوروبا اتخذت الخطوة الصحيحة بتقديم مبادرتها الإنمائية.
تبنت المفوضية الأوروبية في 12 أكتوبر 2005، مبادرة إستراتيجية الاتحاد الأوروبي من أجل أفريقيا "نحو ميثاق أورو ـ أفريقي من أجل التعجيل بالتنمية"، وهي تقوم على أساس صياغة إطار للدول الخمس والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى المفوضية الأوربية. وتأتي هذه الخطة في إطار التنافس الدولي على القارة، وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية والصين.
وقدرت مساعدات التنمية من الاتحاد الأوروبي بمقدار 15 مليار يورو للدول الأفريقية، مقابل 5 مليارات فقط عام 1985، وقد أقر المجلس الأوروبي في يونيه 2005، التزامه بزيادة حجم المساعدات بقيمة 20 مليار يورو سنوياً، وذلك حتى عام 2010، ثم يرتفع إلى 23 مليار يورو سنوياً حتى عام 2015.
جاءت المبادرة الأوروبية، بعد الانتقادات التي وُجهت لطبيعة والاتفاقيات التي تبرمها المفوضية مع الدول الأفريقية وأهدافها، حيث رأت فيها الدول الأفريقية أداة للسيطرة على الأسواق الناشئة، كما عدتها أداة لإعادة استعمار القارة من طريق التجارة الحرة. لذا وضعت إستراتيجية أوروبية جديدة للتعامل مع القارة الأفريقية، في صورة شراكة من أجل التنمية، ويُعد الهدف الرئيسي للإستراتيجية الأوروبية هو وضع إطار عمل للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من أجل دعم جهود القارة الأفريقية للوصول إلى الأهداف الإنمائية للأمم المتحدة للعقد القادم.
ويمكن إيجاز الإستراتيجية الأوربية تجاه أفريقيا في الأبعاد الآتية:
1- زيادة تمويل الاتحاد الأوروبي للقارة.
2- زيادة الدعم الأوروبي في المجالات الأكثر أهمية.
3- إتباع الاتحاد الأوربي مساراً أكثر كفاءة في التعامل مع القضايا الأفريقية.


الخاتمة:
أن وراء ظاهرة الصراع والحروب في شرق أفريقيا مجموعة معقدة من الأسباب المتفاعلة مع بعضها البعض يشكل الصراع حول توزيع السلطة والثروة وتمثيل الهوية دعامتها الأساسية ، فالعرقية لديهم ليس إلا أداة لتحقيق المصالح السياسية .
ويبرز العامل السياسي – الاقتصادي بصورة أكثر وضوحاً لدى باحثي البنك الدولي الذي يرون أن الحرب في أفريقيا (ليست نتيجة للتفكك العرقي – اللغوي لأقطارها ولكنه نتيجة للنسب العالية من الفقر والمؤسسات السياسية الفاشلة واعتماد الاقتصاد على الموارد الطبيعة.
إن جميع تلك الآراء والنظريات التي حاولت تشخيص علل أفريقيا وتفسير نسبة التفشي العالية للحروب والصراعات فيها قد لامست ، بلا شك ، جزءاً من الحقيقة ، فالتاريخ يعلمنا أن ليس هناك عامل واحد وراء الحدث، وإنما هي عوامل متعددة متركبة و متشابكة ، ومن هنا فإن أي تفسير يهمل أو يستبعد العامل التاريخي ، وهو في هذه الحالة التكوين التاريخي للدول الأفريقية الحديثة ، يجعل الوصول إلى الحقيقة ، ولو نسبياً ، أمراً متعذراً .
إن فهم الصراع والحرب في أفريقيا عموما لا يتم إلا من خلال دراسة تاريخ القارة خلال الفترة الاستعمارية ، خاصة قضية الحدود الاستعمارية ، وتنبع أهمية الحدود الاستعمارية وما نتج عنها من كونها العنصر الهام الذي كون وشكل الدول الأفريقية الحديثة دولة ومجتمعاً . فالدولة الأفريقية الحديثة، ما هي إلا صناعة استعمارية شكلها وصاغها الاستعمار وفقاً لرؤيته ومصالحه ، وإذا كانت الدولة الاستعمارية المحلية في الماضي هي الإدارة التي نفذت السياسة الاستعمارية ، القائمة على الاستغلال والقمع، فإن الدولة الحديثة من خلال نخبها السياسية الحاكمة الذين هم بدورهم صناعة استعمارية قد سارت على ذات الدرب ، لكن إذا كانت الدولة الاستعمارية المحلية قد نجحت في الماضي، من خلال سياسة التهدئة والعصا في كبح عناصر الصراع السياسي، وكبت تطلعات الجماعات العرقية، فإن سير الدولة الحديثة على ذات الدرب دون إدراك لطبيعة المرحلة وأبعاد التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، قد ساهم في إذكائها .
فضلا عن ذلك فان قضايا النزاع الحدودي والتدخلات الأجنبية في دول شرق إفريقيا قد تركت أرثا ثقيلا على شعوب المنطقة وأمنها وجعلها عرضة لهذه التدخلات وبشكل علني ، فموقعها الاستراتيجي وخيراتها الاقتصادية كان ابرز العوامل التي ساعدت على هذا التدخل ،
كما تعتبر منطقة القرن الإفريقي على الدوام محط أنظار الدول الاستعمارية الكبرى، نظراً لما تتمتع به من أهمية جغرافية وإستراتيجية، فالقرن الإفريقي يكتسب أهمية حيوية من الناحية الجغرافية، نظراً لأن دوله تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث مضيق باب المندب من ناحية ثانية. ومن ثم فإن دوله تتحكم في طريق التجارة العالمي، خاصة تجارة النفط القادمة من دول الخليج والمتجهة إلى أوربا والولايات المتحدة، كما أنها تُعد ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية قادمة من أوربا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي.
ولا تقتصر أهمية القرن الإفريقي على اعتبارات الموقع فحسب، وإنما تتعداها للموارد الطبيعية، خاصة البترول الذي بدأ يظهر في الآونة الأخيرة في السودان، وهو ما يعد أحد أسباب سعي واشنطن تحديداً لإيجاد حل لقضية الجنوب، وكذلك في الصومال.
ولعل أحد تفسيرات تدخّل واشنطن في الأزمة الصومالية بعد نشوبها عام 1990، هو بداية ظهور البترول في الأراضي الصومالية، خاصة أن واشنطن لم تتدخل منذ بداية الأزمة، وإنما تدخلت بعد عام ونصف من اندلاعها.
واكتسبت منطقة القرن الأفريقي أهمية ثالثة بعد بروز القوى الإسلامية في العديد من دول المنطقة، ومطالبتها بتطبيق الشريعة الإسلامية، سواء أكان ذلك في السودان أو الصومال (المحاكم الإسلامية)، أو حتى في إقليم الأوجادين الصومالي المحتل من قبل أثيوبيا.
وعلى ضوء ذلك اهتمت الولايات المتحدة بتحقيق نوع من النفوذ في القرن الإفريقي، وقامت وزيرة الخارجية السابقة "مادلين أولبرايت" بعدة زيارات للمنطقة،وكذا الرئيس الأميركي السابق "بيل كلينتون"، في إطار الاهتمام بالحلول محل النفوذ الفرنسي والإيطالي هناك، وفي إطار جعل تلك المنطقة منطقة نفوذ وقواعد عسكرية، وفي إطار الرغبة الأميركية في حصار مصر والسودان والشمال العربي والإفريقي، بل الدول العربية المطلة على البحر الأحمر عموماً، وعلى هذا نرى أن القرن الأفريقي يحتل موقعاً مهماً في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية، فهو يتكون من أربعة مناطق تدخل في نطاق اهتمام القيادة المركزية الأمريكية، وهي مسئولة عن الأمن في المنطقة الواقعة من كازاخستان شمالاً وكينيا جنوباً، ومن مصر غربا حتى باكستان شرقاً، وبالتالي فهناك أربعة مناطق أساسية، هي:
-شبه الجزيرة العربية والعراق، وتضم دول الخليج العربي إضافة إلى العراق.
- منطقة شمال البحر الأحمر، وتضم مصر والأردن .
- منطقة القرن الأفريقي، وتضم جيبوتي وأثيوبيا وإريتريا والصومال وكينيا والسودان وجزر سيشل.
- منطقة جنوب ووسط آسيا، وتضم أفغانستان وإيران وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية (كازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان.
وتقوم إستراتيجية القيادة المركزية على ثلاثة عناصر أساسية، هي :
أ- القتال لحماية وتنشيط مصالح واشنطن في المنطقة المعنية لاحتواء أي تدفق غير منضبط لمصادر الطاقة بها، وفي مقدمتها النفط،والحفاظ على استقرار المنطقة، وهو مايتطلب عدة أشياء، منها التلويح باستخدام القوة، والبقاء في وضع الاستعداد،والاحتفاظ بقوات لكسب أي حرب بشكل حاسم على كافة مستويات الصراع.
ب- التدخل للحفاظ على شبكة التحالفات القائمة، وتطوير شبكة المعلومات، خاصة في مجالا لاستخبارات لمقاومة مخاطر أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، مع الاحتفاظ بعلاقات ودية مع قادة المنطقة العسكريين والسياسيين على حد سواء.
ج- التوسع لدعم وتعزيزا لجهود البيئية والإنسانية، وتوفير استجابة فورية في أوقات الأزمات البيئية والإنسانية.
ومن هنا يمكن القول بأن الاهتمام الأمريكي بالقرن الأفريقي ليس وليد اللحظة -كما يظن البعض- وإنما هو اهتمام قديم يرجع إلى الأهمية الإستراتيجية للمنطقة، صحيح أن هذا الاهتمام زاد في الآونة الأخيرة بدليل التحركات العسكرية الأمريكية، إلا أن التواجد كان سابقاً على ذلك، وهو ما يعني أن التواجد ليس فقط من أجل ضرب العراق كما كان يُعتقد في السابق، وتوفير قاعدة إمداد خلفية للقوات العاملة في الخليج، وإنما يهدف أيضاً إلى قمع القوى الإسلامية، أو قوى الإرهاب، كما يحلو لواشنطن أن تطلق عليها في المنطقة.
الهوامش:
- Elbadawim Ibrahim and Nicholas Sambanis : "Why Are There So many Civil wars in Africa, ? Understanding and preventing Violent Conflict.” Journal of African Economies ,p64. 2000
- 2 جلال يحي : تاريخ أفريقيا الحديث والمعاصر (المكتب الجامعي الحديث ، الإسكندرية ،1999م،ص95
3 - حمدي عبد الرحمن ،قضايا في النظم السياسية الأفريقية، القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2000م.
4 - صلاح سالم زرنوقة،العرب وأفريقيا فيما بعد الحرب الباردة، جامعة القاهرة، مركز دراسات وبحوث الدول النامية، قضايا التنمية، عدد 18، 2000م.
5 - على مزروعى ومايكل تايدى ، ترجمة شاكر نصيف لطيف، القومية والدول الجديدة في أفريقيا ، الجزء الثاني ،دار الشئون الثقافية العامة ، بغداد ، 1990،ص32
6 - حمدي عبد الرحمن: السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا من العزلة إلى الشراكة، السياسة الدولية، العدد 144، يناير 2001م، ص 192 ـ 193.
7 - أحمد ثابت ، العولمة ومخاطر المعايير المفروضة، التوجهات الأمريكية إزاء السودان" في حمدي عبد الرحمن (محرر)، إفريقيا والعولمة، القاهرة، برنامج الدراسات المصرية الإفريقية بجامعة القاهرة، 2004م. ص42
8-Mahmood Mamdani, how can we name the Darfur crisis: preliminary thoughts on Darfur,NewYork,University of Columbia,2004,p55
9 - خليل إبراهيم الطيار، محاولات إسرائيل العودة إلى إفريقيا وعلاقاتها باتفاقية التعاون الإستراتيجي مع الولايات المتحدة ، شئون عربية، عدد 47، أيلول- سبتمبر 1986م، ص164
10 - علاء سالم، إسرائيل والقرن الإفريقي، المنطلقات الإستراتيجية وأنماط التحرك، مجلة التعاون، المجلد (10)، العدد (39)، 1995م، ص 144 188.
11 - Israel Ministry of Foreign Affairs. Israels Deplomatic Mission Abrod, a (WWW.mfa.gov.) Napmi Chazan, Israel in Africa The Jerusalem Quarterly Vol
12- ناحوم غولدمان، اسرائيل إلى أين، ترجمة ، سخي خوري ، دار الشرق العربي الكبير، بيروت، 1985، ص111.
13 - هانئ رسلان ، أبعاد التغير في السياسة الأمريكية تجاه السودان، السياسة الدولية، يوليو 2002م،ص69
14 - Ali Mazrui, ''From Slave Ship to Space Ship: Africa between marginalization and globalization African studies quarterly, vol.4, 1998

15 -Michael Shurkin, france and the Darfur crisis, Washington DC.: the Brookings institution,US-European ,alysisseries,January2005,p82
16- حمدي عبد الرحمن، السودان ومستقبل التوازن الإقليمي في القرن الأفريقي، السياسة الدولية، العدد 147، يناير 2001م، ص 111 ـ 113.
17 - إجلال رأفت ، السياسة الفرنسية في أفريقيا جنوب الصحراء، السياسة الدولية، العدد 145، يوليو 2001م، ص 8 ـ 23.

دور العلماء العرب في تقدم الجغرافيا

د.محمد عرب الموسوي
قسم الجغرافيا-كلية الآداب بزوارة-جامعة السابع من ابريل
مقدمة:
أطلق المسلمون على معارفهم الجغرافية أسماء عديدة، إذ أن المفهوم الجغرافي لم يكن تخصصًا مستقلاً في ذاته كالعلوم الأخرى، ومصنفاتهم في هذا المجال يمكن إدراجها تحت مسمى المصنفات الكوزموغرافية، وهي المصنفات التي تبحث في مظهر الكون وتركيبه العام وتشمل إلى جانب الجغرافيا علمي الفلك والجيولوجيا، لذا فإن الكتابات الجغرافية كانت تسمى وفق محتوياتها،فمن ذلك علم الأطوال والعروض وعلم تقويم البلدان إذا كانت ذات محتوى فلكي وما غلب على محتواها وصْفُ المسالك وطرق المواصلات سميت علم البرود (جمع بريد) أو علم المسالك والممالك واتخذت المصنفات الجغرافية التي تصف مجموع المناطق والبلدان اسم علم الأقاليم، وعلم عجائب البلدان، وعلم البلدان، والتي تناولت المناخ جاءت تحت اسم علم الأنواء، والتي تطرقت الى الجغرافية الفلكية سمِّيت علم الهيئة، واستخدموا مصطلح صورة الأرض قاصدين به مصطلح الجغرافية الحالية.
استخدم المسلمون كلمة جغرافيا في بادئ الأمر وفق استخدام اليونان لها، وهذا ما عناه ياقوت الحموي عندما قال أن من قَصَد العمران من القدماء والفلاسفة والحكماء، ومنهم بطليموس، سموا كتبهم في ذلك الجغرافي ومعناه صورة الأرض وكان إخوان الصفا أول من استخدم مصطلح جغرافيا في رسائلهم وفسرت على أنها صورة الأرض.
لم تقتصر كتابات المسلمين في الجغرافيا على مجالات محددة، بل امتدت لتشمل مجالات عديدة متنوعة، وبدأت هذه الكتابات معتمدة على المعرفة الجغرافية القديمة في الجزيرة العربية بالإضافة إلى ما كان لدى الشعوب الأخرى التي دخلت الإسلام، كما اعتمدت على الترجمة من مصادر مختلفة يونانية وفارسية وهندية، وصحح المسلمون كثيرًا من الأخطاء وأضافوا كثيرًا من الملاحظات على الكتب المترجمة، وكان من أهم المسائل التي تناولتها مصنفاتهم في هذا الحقل الجغرافيا الفلكية والإقليمية والبشرية والاقتصادية.
-الجغرافيا الفلكية:
أهتم المسلمون بالجغرافيا الفلكية التي صارت أساسًا للجغرافيا العربية، وهي فرع من الجغرافيا تقوم في أغلبها على الأساليب الرياضية، وذلك لاتصال الجغرافيا الفلكية بمواقيت الصلاة والصيام والحج، واستقى العلماء المسلمون هذا النوع من الجغرافيا من المذهب الهندي في الجغرافيا الرياضية عن طريق بلاد فارس، وتمثل ذلك في كتاب السند هند (السد هانتا)، وكذلك من المذهب اليوناني عن طريق السريان، وتمثل ذلك في كتاب المجسطي لبطليموس، ومن الذين تأثروا بكتاب بطليموس ونهجوا النهج الفلكي في مؤلفاتهم الجغرافية محمد بن موسى الخوارزمي، لكنه تفرّد ببحوث مستقلة لم يقلّد فيها أحدًا، وقام بتلخيص كتاب السندهند وإصلاح أزياج (الجداول الفلكية) بطليموس، ويعدّ كتاب الخوارزمي صورة الأرض أشهر مؤلفات الجغرافيا الفلكية وأكثرها أثرًا في الجغرافيين الذين أتوا من بعده .
وهناك اختلاف كبير بينه وبين كتاب بطليموس على الرغم من أنه أفاد من معلوماته كثيرًا، وقد خالف الخوارزمي في تقسيمه للأقاليم تقسيم بطليموس، فبينما قسم بطليموس العالم إلى إحدى وعشرين منطقة، قسمه الخوارزمي إلى سبعة أقاليم حسب درجات العرض، وهو أول من فعل هذا، فبدأ هذه الأقاليم من الجنوب إلى الشمال، وهذا التقسيم هو الذي عرفه العرب قبل أن يعرفوا بطليموس، كذلك وزع الخوارزمي الأنهار والجبال والبحار والعمران بطريقة مخالفة لما ورد عند بطليموس فقد ذكرها الخوارزمي منفردة وفق كل إقليم، بينما وزعها بطليموس وفق المناطق، كما أنه عرض المادة الجغرافية في قوائم، واختلف مع بطليموس في تحديد كثير من الأبعاد الجغرافية للأماكن ، والقوائم الفلكية في كتاب صورة الأرض أشبه بالأزياج، فقد كان يذكر اسم الموضع ثم خط الطول الذي يقع عليه، ثم خط العرض مبتدئًا بالمدن فالجبال فالبحار فالجزر ثم العيون والأنهار، ويبدأ المواضع وفق بُعدها التدريجي على أساس موقعها من خط الزوال الذي يمر بجزر السعادة عند ساحل غرب إفريقيا.
وممن كتب في هذا الفرع من الجغرافيا الفيلسوف الكندي، وجاءت آراؤه هذه في كتابه رسم المعمور من الأرض، وله في الجغرافيا الفلكية وعلم الفلك ما يقرب من 25 مؤلفًا بين كتاب ورسالة.ويندرج تحت هذا الفرع ما يعرف أيضًا بكتب الأزياج مثل زيج الإيلخاني للطوسي، الزيج الصابي للبتاني، والزيج الحاكمي الكبير لابن يونس الصدفي، والمجسطي لأبي الوفاء البوزجاني، ومفتاح علم الهيئة للبيروني، ومن الكتب المهمة في حقل الجغرافيا الفلكية كتاب سهراب عجائب الأقاليم السبعة إلى نهاية المعمور، يورد فيه كيفية رسم خارطة الكرة الأرضية واستخراج الطول والعرض للمواقع الجغرافية، وهو متأثر بكتاب صورة الأرض للخوارزمي، فهو يتناول المدن فالبحار فالجزر فالجبال ثم المنابع والأنهار كلا منها على انفراد داخل الأقاليم السبعة في قوائم مماثلة لما فعله الخوارزمي.
- محيط الأرض ومساحتها:
اهتم العلماء المسلمون في حقل الجغرافيا الفلكية بقياس محيط الكرة الأرضية، ذلك أن المقاييس التي أخذوها عن الهنود والإغريق لم تكن مقنعة لهم، خاصة بعد ما تقدمت عندهم وسائل القياس، وقام العلماء المسلمون في عهد المأمون وبأمر منه بقياس طول درجة من خط نصف النهار في مكانين صحراويين أحدهما في تَدْمر والآخر في سنجار،وتوصلوا إلى أن طول الدرجة يبلغ 56 ميلاً، أي أن المحيط حوالي 20,400 ميل.
وردت في كتابات الجغرافيين العرب محاولات لتقدير مساحة الأرض المعمورة والبحار التي بينها والذي كان يسمى الرُّبع المعمور، وممن تناول ذلك البيروني في القانون المسعودي؛ فقد ذكر مساحة الأقاليم السبعة المعروفة آنذاك، ونقلها عنه أبو الفدا في تقويم البلدان بعد أن شرح الطرق التي توصل بها البيروني لهذه المساحات،كما فعل ذلك أيضًا ياقوت الحموي في معجم البلدان حيث أورد تقديرات لمساحة الأرض نقلاً عمن سبقه من الجغرافيين.
-خطوط الطول والعرض:
استخدم الجغرافيون المسلمون خطوط الطول والعرض لتعيين المواقع الجغرافية للمناطق التي يريدون تحديدها، سواءً بالنسبة إلى القبلة في مكة، أو أي بقعة أخرى، وقد توصلوا إلى تحديد عرض الأماكن عن طريق قياس ارتفاع النجم القطبي أو الشمس، وقد كان من النتائج المباشرة لجهودهم في تحديد خطوط العرض أن تمكنوا من إنشاء المزاول الشمسية لضبط الزمن.
واستطاع الجغرافيون العرب عن طريق تحديدهم خطوط الطول والعرض أن يرسموا خارطة للأرض في عهد المأمون عرفت باسم الخريطة المأمونية، وقد قسم العالم فيها إلى سبعة أقاليم وفق خطوط الطول ودوائر العرض، وفيها صور للأفلاك والنجوم والبر والبحر والمدن.
-الجغرافيا الإقليمية:
وتسمى الجغرافيا البلدانية، وتتمثل في المصنفات التي اتخذت المنهج الوصفي أساسًا لها،وكذلك المعاجم الجغرافية وأحيانًا كتب الرحلات الجغرافية التي يغلب على تناولها المنهج الوصفي، وقد اتبع الجغرافيون المسلمون في تناولهم لجغرافية البلدان أسلوب المشاهدة والزيارات الميدانية، فقد زار معظمهم الأقاليم والبلدان التي تحدثوا عنها، لاسيما الرعيل الأول منهم من أمثال اليعقوبي، وابن حوقل، والمسعودي، والإدريسي وغيرهم، وقد تناولوا في مصنفاتهم الجغرافية هذه أوصافًا للأقاليم والمدن والشعوب وأديانها وعاداتها ودراسة للمسالك وطرق المواصلات التي تربط بين المدن المختلفة والأبعاد بينها وما يفصل بينها من أنهار وبحار وبحيرات وجبال، ومن نماذج هذه المصنفات كتب المسالك والممالك لابن خرداذبه، كتاب الأقاليم لهشام الكلبي، جزيرة العرب للأصمعي، البلدان لليعقوبي، صفة جزيرة العرب للهمداني، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي، الأقاليم للإصطخري، صورة الأرض لابن حوقل، وتقويم البلدان لأبي الفدا عماد الدين بن إسماعيل وغيرهم .
-مصنفات إقليمية:
خضعت المؤلفات البلدانية في بادئ الأمر لنمط التأليف الذي كان سائدًا في كل مجالات المعرفة آنذاك، فلم تكن الكتابة متخصصة، ولم يكن الكُتَّاب متخصصين، لذا كان ينحو وصفهم إلى الشمول بدلاً عن العرض المفصل لتلك المناطق من المعمورة التي كانت تبعد عنهم، لذا فقد تركوا لنا آدابًا جغرافية على درجة كبيرة من الدقة عن قلب العالم الإسلامي، لكن تقلّ هذه الدقة وتضعف كلما ابتعدنا إلى أطرافه في آسيا وإفريقيا.
وبحلول منتصف القرن الرابع الهجري تنوعت كتابات الجغرافيين واهتموا بالمعالم الطبيعية والأحوال الاقتصادية والاجتماعية للشعوب التي يكتبون عنها، وأفضل المصنفات التي تمثل هذه الحقبة هي مصنفات الإصطخري وابن حوقل والمقدسي وهي على التوالي: الأقاليم، صورة الأرض، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم.
بدأت المصنفات الإقليمية بتغطية وصفية لجزيرة العرب شملت مدنها وبلدانها المشهورة، والبوادي والصحاري، ومضارب العرب،ومن أشهر الذين كتبوا عن جزيرة العرب هشام الكلبي وله في ذلك كتاب الأقاليم، وكتاب البلدان الصغيرة، وكتاب البلدان الكبيرة، وكذلك الأصمعي وله كتاب جزيرة العرب، والهمداني وله صفة جزيرة العرب.
أما المعاجم فقد ورد فيها إسهاب من المعلومات عن المدن والمظاهر الطبيعية، ومن هذه المعاجم معجم البلدان لياقوت الحموي، ومعجم ما استعجم لأبي عبيد البكري وغيرهما، وتعد المعاجم الجغرافية عملاً فريدًا استأثر به المسلمون، ولم تسبقهم إليه أمة من الأمم، أما النقلة في التأليف من الكتب الإقليمية، التي اقتصرت على جزيرة العرب إلى العالمية، فقد كانت على يد الخوارزمي في كتابه صورة الأرض، وقد ظهرت في الجغرافيا الإقليمية مؤلفات تحمل عنوان المسالك والممالك، وكان أول من صنّف فيها جعفر بن أحمد المروزي (ت 274هـ، 887م(،( وابن خرداذبه، والسرخسي ت 286هـ، 899م)، والإصطخري، والتاريخي محمد الوراق (ت 363هـ، 973م)، والمهلبي (ت 368هـ، 978م)، والبكري (487هـ، 1094م) ومعظم هذه المؤلفات استهدفت خدمة أغراض الإداريين والحكام والتجار وعمال الدواوين لتبصرهم بالأمصار الإسلامية والطرق إليها.
ظل الجغرافيون الأوائل يقسّمون الأقاليم وفقًا لما توارثوه عن الفرس واليونان، إلى أن اتخذت الجغرافيا الإقليمية مفهومًا جديدًا لفكرة الإقليم بدءًا من القرن الرابع الهجري على يد من أطلق عليهم الجغرافيون الإقليميون ويمثلهم أبو زيد البلخي (ت 322هـ، 934م) والإصطخري، وابن حوقل، والمقدسي، ولم يتفق الجغرافيون المسلمون في تلك الحقبة على نمط واحد لتقسيم الأقاليم، فقسمها الإصطخري أحيانًا وفقًا لطبيعة الإقليم وأخرى وفقًا للأقوام ولغاتهم وثالثة لنوع الحكم، وقسم الأقاليم الإسلامية المعروفة على عهده إلى عشرين إقليمًا هي: ديار العرب، ويضم شبه الجزيرة العربية وبادية الشام، بحر فارس، ويضم الخليج العربي والبحر الأحمر، ديار المغرب، ويضم بلاد الأندلس وأقطار المغرب العربي والصحراء الكبرى، ديار مصر، وتضم مصر وبلاد البجة (شرق السودان)، أرض الشام، بحر الروم، ويضم شرقي البحر الأبيض المتوسط وبحر مرمره وجزره، أرض الجزيرة، ويضم منطقة الجزيرة في العراق وبعضًا من البادية الشمالية، العراق، ويمتد من تكريت إلى عبدان وما بين النهرين، خوزستان، بلاد فارس، بلاد كرمان ويضم القسم الجنوبي الشرقي من إيران وبلاد السند، أرمينيا والران وأذربيجان، إقليم الجبال ويضم بلاد كردستان،الديلم ويضم البلاد الواقعة على سهول بحر الخزر الجنوبية، بحر الخزر ويضم منطقة بحر الخزر، مفازة خراسان ويضم منطقة صحراء شرقي إيران، سجستان ويضم جزءًا من أفغانستان، خراسان ويضم شمال غرب أفغانستان وشمال شرق إيران، ما وراء النهر ويضم منطقة سهول نهري سيحون وجيحون.
وهناك تشابه كبير واضح بين تقسيم ابن حوقل والإصطخري للأقاليم، إلا أن ابن حوقل كان كثيرًا ما يلتزم في بعض تقسيماته الإقليمية بالعامل السياسي والإداري أكثر من الجانب الطبيعي الذي انتهجه الإصطخري،وقسّم ابن حوقل العالم الإسلامي إلى 22 إقليمًا وهي نفس الأقاليم التي ذكرها الإصطخري مع زيادات طفيفة كأن يذكر مع الديلم طبرستان أو مع مفازة خراسان يضيف فارس، أما الإقليمان الجديدان لديه فهما الأندلس وصقلية.
أما المقدسي فقد قسّم الأقاليم في الممالك الإسلامية إلى قسمين: أقاليم العرب وأقاليم العجم فجاءت سبعة منها تحت الأقاليم العربية وثمانية تحت الأقاليم العجمية، وقسّم الأقاليم إلى أقسام إدارية أطلق على الواحد منها اسم كُور وقسّم الكور إلى رساتيق، وميّز بين العواصم والقصبات والمدن الثانوية.
ثم أتت حقبة رجعت فيها التقسيمات الأولى للأقاليم إلى سبعة أقاليم فلكية وفق المنهج التقليدي لليونان، وكان من أبرز من أخذ بهذا الأسلوب الشريف الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق وعلي بن موسى المغربي في كتاب الجغرافيا، والقزويني في آثار البلاد وأخبار العباد، إلا أن الجغرافي الإقليمي أبو الفدا (ت732هـ، 1331م) قد جمع بين المنهج اليوناني الذي يمثله بطليموس، والتقسيم العربي الذي يمثله ابن حوقل، وقام بتقسيم الأرض المأهولة آنذاك إلى 28 إقليمًا.
-المعاجم والرحلات:
كانت المعاجم الجغرافية سمة من سمات التأليف الجغرافي لدى المسلمين في ذلك العهد، وهي تسير على نمط المعاجم الأخرى التي ألّفت في تخصصات أخرى مثل معاجم علوم الحيوان والنبات واللغة وغيرها، ويعد تأليف المعاجم الجغرافية علمًا انفرد به المسلمون ولم يسبقهم إليه أحد،إذ أن أول المعاجم الجغرافية التي ظهرت في غير العربية كان في القرن 10هـ، 16م في أوروبا وهو معجم أوتيليوس، وكان أبو عبيد البكري أوّل من صنّف معجماً جغرافياً وفق الترتيب الألفبائي الأندلسي، وأطلق على معجمه معجم ما استعجم ، ويُعدّ هذا المعجم مرحلة انتقالية من اللغة إلى الجغرافيا تناول فيه تحديد الأماكن التي ورد ذكرها في الأحاديث والتواريخ والمنازل والأشعار، وكان مما جعل البكري يقدم على هذا العمل، شيوع اللحن والتصحيف في أسماء الأماكن بين الناس، فأراد تصحيح ما وقع فيه بعض اللغويين من أخطاء كالأصمعي وأبي عبيدة وخلافهما، واحتوى معجمه على 3,590 مادة بها نحو 5,200 موضوع تقع في 784 بابًا.
يُعدّ معجم البلدان لياقوت الحموي (ت 626هـ، 1229م) من أفضل النماذج للمعاجم الجغرافية، واعتمد في مصادره على مؤلفات من تقدمه من الجغرافيين واللغويين والفلاسفة والحكماء من المسلمين وغيرهم، ورتب ياقوت مداخل هذا المعجم ترتيبًا ألف بائيا مع ضبط الاسم وبيان اشتقاقه، وموقعه وتاريخه، والمسافة بينه وبين أقرب بلد له، وتاريخ فتح المسلمين له، وعادات أهل الموقع وتقاليدهم، وأسماء من له علاقة بالموضع من الصحابة والتابعين، وقسّم المعجم إلى 28 بابًا على عدد حروف العربية، وصدره بمقدمة تمهيدية ذكر فيها صورة الأرض وهيئتها وأقاليمها، وأورد في المقدمة بعض المصطلحات التي يتكرر ذكرها في المعجم كالفرسخ والميل والكورة .
يُعدّ معجم الروض المِعْطار في خبر الأقطار لمحمد بن عبد المنعم الصنهاجي الحميري من المصنفات القيمة اعتمد في معظمه على المصادر المغربية والأندلسية، فقد نقل كثيرًا من مادة هذا المعجم من الإدريسي والبكري وكذلك من اليعقوبي والمسعودي وغيرهم،واقتصر المعجم في مادته على المواضع المشهورة جدًا، أو تلك التي ارتبط اسمها بوقائع أو أخبار اشتهرت عنها، وعلى الرغم من أنه من المغرب العربي (ولد في سبته)، إلا أنه رتّب مداخل معجمه وفق الترتيب الألفبائي المعمول به في المشرق العربي، وقد أفاض في هذا المعجم من ذكر الأماكن في بلاد المغرب والأندلس، وجاء اهتمامه ببلاد المشرق في الدرجة الثانية، واستكثر أيضًا من ذكر الأحداث والتاريخ والأخبار.
تعد كتب الرحلات من أفضل مصادر الجغرافيا الإقليمية في عصر ازدهارها، وممّا يسر هذه الرحلات حث الإسلام على السياحة في الأرض، والوحدة الدينية التي كانت تربط البقعة الإسلامية من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا واستتباب الأمن فيها، ثم رحلات الحجيج من وإلى بيت الله في مكة المكرمة، ومسجد رسوله في المدينة المنورة وكذلك الخروج في طلب العلم، والرحلات التجارية.
كان أول من صنف في أدب جغرافية الرحلات أبوبكر محمد بن العربي(ت 543هـ، 1148م) وله في ذلك كتاب ترتيب الرحلات، ومن أشهر الرحالة المسلمين ابن جبير، وابن بطوطة، وابن حوقل، والمسعودي.
كانت أولى الرحلات التي وصلت إلينا هي رحلة ناصر خَسْرو (455هـ، 1063م)، وقد عاصر الدولتين الغزنوية والسلجوقية، وقد بدأ رحلته من مرو في خراسان مرورًا بلبنان وفلسطين ومصر ومكة، فالبصرة فبلخ، وكان الباعث لرحلته دينياً، فقد كان ينوي بها الحج وزيارة الأماكن التي عاش فيها الرسول وأصحابه، مثل البقعة التي بايع فيها المؤمنون الرسول تحت الشجرة، واستغرقت رحلته سبع سنوات، وقد وصف كل المناطق التي زارها وسكانها وملابسهم ومشاربهم ومآكلهم.
كان الباعث لرحلات ابن جبير أيضًا دينياً، فقد قام بثلاث رحلات كانت الأولى عام 578هـ، 1182م واستغرقت ما يزيد على السنتين، بدأها من غرناطة وزار فيها سبته في المغرب ومصر والحجاز والعراق وبلاد الشام وصقلية، وأُطْلق على هذه الرحلة اسم رحلة ابن جبير أو رحلة الكناني لأنه كان ينتسب إلى كنانة، وكان دقيقًا في تسجيله الحوادث والتأريخ لها حتى إنه كان يذكر الشهر واليوم والساعة في أغلب الأحيان، أما الرحلتان الأخريان فلم يسجل ابن جبير أخبارهما في كتاب.
ولعل أشهر الرحلات الجغرافية التي تكاد تطغى على ما سواها من الرحلات الأخرى، سواءً في الشرق أم الغرب، رحلات ابن بطوطة (ت 779هـ، 1377م) وكان الدافع لرحلاته دينياً متمثلا في أداء فريضة الحج، وقد بدأ هذه الرحلات الثلاث من مدينة طنجة (عام 725هـ، 1325م)، استمرت الأولى نحو 25 عامًا زار ووصف فيها الساحل الشمالي لإفريقيا ومصر والشام والحجاز والعراق وعُمان والبحرين وخراسان وأفغانستان والهند والصين وسومطرة وجزيرة سرنديب (سريلانكا الآن) وعاد إلى فاس عام 750هـ، 1349م،أما الرحلة الثانية فقد توجه فيها صوب الشمال نحو بلاد الأندلس وأقام بغرناطة ثم عاد إلى المغرب، وفي الرحلة الثالثة خرج عام 753هـ، 1353م إلى وسط إفريقيا فزار الممالك الإسلامية فيها كمملكة مالي وغانا وعاد عام 754هـ، 1354م، وقد قام بتدوين مشاهدات ابن بطوطة محمد بن جزي الكلبي بإملاء من ابن بطوطة، وسمّى السّفر الذي كتبه تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار.
-الجغرافيا البشرية:
تناولت المصنفات الجغرافية الجانب البشري واهتمت به، وأوضح الأمثلة على ذلك كتابات المسعودي الذي ينهج نهجًا جديدًا في تناوله للجغرافيا، فقد طاف معظم بلاد العالم المعروف آنذاك، ولم يكن طوافه ذلك للنزهة أو كسب العيش، بل لمشاهدة معالم البلاد ومعرفة أحوال أهلها من عادات وتقاليد وأخلاق ومعايش وزراعة وسياسة، كما وصف أثر البيئة الطبيعية وصوَّر أخلاق البشر، وتناولُ المسعودي الجغرافيا البشرية بطريقة مشوبة بمعلومات تاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية، وفي مروج الذهب يكاد يخصص الشطر الأكبر من القسم الأول من هذه الموسوعة الجغرافية لوصف عادات الأمم ومعتقداتها ومذاهبها وتاريخها ومصادر أرزاقها من صناعة وزراعة وتجارة، ويذكر أيضًا أثر المناخ في ألوان البشر وفي النشاط الجسماني والذكاء.
وفي أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم أفاض المقدسي في ذكر المسافات، وطرق المواصلات، واللغات واللهجات، والمكاييل والأوزان، والمناخ، الزراعة، وطوائف الناس وغذائهم وشرابهم، وأخلاقهم وعاداتهم، ومذاهبهم ومعاملاتهم التجارية، أما ابن خلدون فكان من أهم من كتبوا في الجغرافيا البشرية خاصة ما يُطلق عليه الآن الجغرافيا الاجتماعية، فقد تناول في المقدمة كثيرًا من المعلومات عن عادات الشعوب ومساكنهم وبيئاتهم وطعامهم وتقاليدهم وأزيائهم وتأثير البيئة في ألوانهم وأخلاقهم وسلوكهم، وكذلك أثر الإقليم والتربة والمناخ، وتكلّم عن خصائص العمران وذكر منها الاستقرار، والتوسع في المأكل والملبس والمسكن والترف، واستجادة الصنعة للتباهي بها، وكذلك قيام نظام للدولة وانتشار العلم.
كما أفاضت كتب الرحلات الجغرافية في الجانب البشري، فابن بطوطة يهتم بطبائع الناس وعاداتهم في كل بلد يتوقف فيه، فعندما وصل الهند مثلاً تكلّم عن معظم عادات الهندوس وعن إحراق المرأة الهندوسية نفسها بعد وفاة زوجها فترتدي أحسن ما لديها من الثياب وتمتطي صهوة جوادها وتضحك وتمرح حتى تصل إلى مكان الحفل، وهناك يدثرها أحد الكهنة بثوب خشن من القطن ثم يلقي عليه كمية كبيرة من الزيت، ثم يتقدم الكهنة نحوها فيشعلون النار في رأسها وكتفها ووسطها، وسرعان ما تلتهمها النيران المتوهجة التي كان يذكيها الحاضرون بمزيد من الوقود والحطب لتزداد اشتعالاً وفي الصين يتكلم عن ملبس القوم ومآكلهم ومشاربهم واستخدامهم للعملات الورقية في التداول بدلاً عن العملات الفضية أو الذهبية، ونجده يشيد بتمسك السودانيين (السودان الغربي) بدينهم وحرصهم على إقامة الشعائر الخمس، ويتضح من مجمل مشاهداته أنه اهتم بتسجيل المظاهر الاجتماعية ووصف العادات والتقاليد وطبائع الأقوام وأديانهم وغيرها فكتاباته في هذا الجانب أقرب إلى علم الجغرافيا الاجتماعية منها إلى التاريخ أو الجغرافيا الطبيعية.
-جغرافية المدن:
تناولت مصنفات المسلمين أيضًا جغرافيا المدن، فقد اهتمت هذه المصنفات بذكر أسماء الأمصار والمدن والبلاد وضبط هذه الأسماء واشتقاقاتها أن كانت عربية،وأفضل المصنفات التي اهتمت بهذا الجانب هي المعاجم الجغرافية مثل معجم ما استعجم، معجم البلدان، تقويم البلدان، ووضع بعضهم مؤلفات اقتصرها على أسماء الأماكن المتشابهة في الاسم، مثل كتاب المشترك وَضْعًا والمفترق صقْعًا لياقوت الحموي، وتحدثوا عن أسس اختيار المواضع التي تقام عليها المدن من حيث توفر المياه وملائمة الهواء وارتفاع المكان، ولابن خلدون آراء في سبب نشأة المدن، وأفضل البقاع لإقامة هذه المدن، كما يتحدث عن أسباب خرابها فيقول سبب خراب المدن قلة مراعاتهم لحسن الاختيار في اختطاط المدن وانظر لما اختطوا الكوفة والبصرة والقيروان كيف لم يراعوا في اختطاطها إلا مراعي إبلهم وما يقرب من القفر ومسالك الظعن فكانت بعيدة عن الوضع الطبيعي للمدن، ولم تكن لها مادة تمد عمرانها من بعدهم، فقد كانت مواطنها غير طبيعية للقرار، ولم تكن في وسط الأمم فيعمرها الناس.
وتناول إخوان الصفا أيضًا جغرافية المدن، وسكانها وطبائعهم، وأعمالهم، وعاداتهم، ودوابهم فيقولون في الرسالة الخامسة وهي رسالة في الجغرافيا أن في كل إقليم من الأقاليم السبعة ألوفًا من المدن تزيد وتنقص، وفي كل مدينة أمم من الناس مختلفة ألسنتهم، وألوانهم، وطباعهم، وآدابهم، ومذاهبهم،وأعمالهم وصنائعهم، وعاداتهم ولا يشبه بعضهم بعضًا، وهكذا حكم حيوانها ومعادنها مختلفة الشكل والطعم واللون والرائحة وسبب ذلك اختلاف أهوية البلاد وتربة البقاع وعذوبة المياه وملوحتها.
وتناول القزويني في كتابه المواعظ والاعتبار عددًا من المدن التي تستجلب منها بضائع معينة أو اشتهرت بصنعة خاصة أو انفردت بصفة غلبت عليها من ذلك، مثل مدينة مَنْدل في الهند حيث يكثر بها العود حتى يقال للعود المندل، وسيرجان قصبة كرمان كثيرة العلم، وسمهر قرية بالحبشة بها صناعة الرِّماح السَّمهْرية.
وقتصر كتاب الإفادة لعبدا للطيف البغدادي (ت 629هـ، 1232م) على مدن مصر وسكانها ونباتها وحيوانها، ويصف ما بها من آثار، وينحي باللائمة على الذين شوَّهوها أو خربوها، ويتحدث عن الأبنية وأنواع الأطعمة والشراب .
-الجغرافيا الاقتصادية:
زخرت المصنفات الجغرافية بالكثير من المعلومات الاقتصادية مثل طرق كسب العيش عند الأمم والزراعة، والتجارة، وأنواع المعاملات والمقايضات، والأوزان والمكاييل، وأنواع العملات المتداولة وطرق النقل والمواصلات.
تناول الجغرافيون العرب والمسلمون جوانب من الجغرافيا التجارية، وأنواع التجارة والبيع والشراء والطرق التي تسلكها قوافل التجارة براً أو بحراً، وأهم المدن التجارية في المشرق الإسلامي والمغرب وكذلك الأسواق كسوق عدن وسواكن على بحر القلزم (البحر الأحمر)، وصحار وعُمان ودبي في الخليج العربي، وحضرموت وعدن، وذكروا أن بعضًا من هذه الأسواق تخصصت في تجارة بعينها، كعدن وحضرموت اللتين اشتهرتا بالاتجار في الطّيب والنعال، وكان أقوام من الهند وبلاد فارس واليهود والنصارى يعملون إلى جانب العرب في التجارة من وإلى بلاد العرب، وذكر الجغرافيون العملات التي تعامل بها الناس في الدولة الإسلامية، فالنقود في الصين كانت عملات ورقية، واستخدم العرب في داخل الجزيرة العربية الدينار المضروب من الذهب والدرهم الفضي، واستخدم أهل بخارى الدرهم لكنهم لم يتعاملوا بالدينار، واستخدم أهل الجزيرة العربية من المكاييل الصاع والمد .
واستخدم أهل الشام القفيز والويبة والمكوك والكيلجة، والكيلجة نحو صاع ونصف الصاع، والمكوك ثلاث كيالج، والويبة مكوكان، والقفيز أربع ويبات، كما استخدم المسلمون الدانق والقيراط والمثقال والأوقية والرطل والقنطار والقسط ويساوي مُدَّيْن، والفرق يساوي ستة أقساط، ومن مقاييس المسافات ذكر الجغرافيون على سبيل المثال، الفرسخ والميل والمرحلة والذراع والشِّبْر والإصبع والغلوة وهي رمية السهم .
كما تناول الجغرافيون المسلمون أهم الصناعات والحرف المختلفة في أرجاء الدولة الإسلامية، وذكروا من ذلك صناعة الثياب وصباغتها والمواد التي تصنع منها سواء كانت من الصوف أو الوبر أو القطن أو الكتان أو الحرير، وكل منطقة كانت تشتهر بحرفة أو صناعة فقد كانت دمياط ونتيس في مصر أكبر مركزين لصناعة النسيج، وكانت مدينة كازرون في بلاد فارس مشهورة بصناعة نسيج الكتان، ومرو ونيسابور اشتهرتا بصناعة ثياب القطن، وعبدان بصناعة الحُصُر، وذكر ابن الوزان في كتابه وصف إفريقيا، أن بمدينة فاس 120 موضعًا خاصاً بصناعة النسيج يعمل فيها نحو 20,000 عامل.
- الخرائط:
بعدما اتسعت معرفة المسلمين بأقسام الأرض وصفاتها بسبب الفتوح خلال القرن الأول الهجري، اهتموا برسم الخرائط وقراءتها، واستخدم الجغرافيون العرب والمسلمون أسماء كثيرة لتدل على معنى الخريطة، مثل، الرسم، الصورة، لوح الترسيم، لوح الرسم، وكذلك الجغرافيا التي لم تكن تعني سوى الخريطة، أما لفظ خريطة فلم يرد عن العرب قبل العصر العباسي بالمعنى المراد به الآن، وقد يكون أصله مُعرَّبًا عن لفظ Carta أو مشتقاً من كلمة خَرَت في اللغة العربية، ومنها خرت الأرض، أي جال فيها، وعالِم خِرِّيت، أي جوال ماهر .
اعتمدت الخرائط العربية في المرحلة الأولى على الحسابات الفلكية متأثرة بالنظريات الرومانية والإغريقية، فقد صنع جغرافيو العرب صورة للأقاليم وهي خريطة عرفت باسم الخريطة المأمونية، ظهرت عليها المناطق والبلدان موقعة بأسمائها العربية للقسم المعمور من الأرض وفق خطوط الطول ودوائر العرض، وكانت هذه الخريطة ملونة كما يتحدث عنها المسعودي في التنبيه والإشراف: رأيت هذه الأقاليم مصوّرة في غير كتاب بأنواع الأصباغ، وأحسن ما رأيت من ذلك في كتاب جغرافيا مارينوس، وتفسير جغرافيا قطع الأرض، وهي الصورة المأمونية التي عملت للمأمون، واجتمع على صنعتها عدة من حكماء أهل عصره، صوّر فيها العالم بأفلاكه ونجومه وبرّه وبحره، عامره وغامره، ومساكن الأمم والمدن وغير ذلك، وهي أحسن مما تقدم من جغرافيا بطليموس وجغرافيا مارينوس وغيرهما.
وبدأ نمط آخر من الخرائط ارتبط بالمصنفات الإقليمية التي رسمها الجغرافيون الإقليميون الذين استحدثوا منهجًا جديدًا في رسم خرائط الأرض، ومن بين هؤلاء أبو زيد البلخي والإصطخري وابن حوقل والمقدسي، فبينما استندت الخريطة المأمونية وخرائط الحقبة السابقة الأسلوب الفلكي الرياضي، مع الاستعانة بخطوط الطول والعرض في تحديد المواقع والأنهار والبحار، نجد أن الخرائط الإقليمية لم تعر الدقة العلمية واقتصر اهتمامها على تمثيل الحقائق العلمية الجغرافية بالمصورات.
وقد أعطى المستشرق الألماني كونراد مولر اهتمامًا خاصاً بجمع الخرائط الإقليمية العربية التي بلغ عددها 275 خريطة ونشرها في مجلد خاص تحت عنوان الخرائط العربية، وأطلق عليها أطلس الإسلام ذلك لأنها تحوي 21 خارطة وتعرض المعلومات فيها وفق نظام واحد يستهل بخارطة العالم المستديرة، تليها خريطة جزيرة العرب، وبحر فارس والشام، ومصر، وبحر الروم، ثم 14 خريطة أخرى تصوّر الأجزاء الوسطى والشرقية من العالم الإسلامي، ويعد أبو زيد البلخي أول من ربط المعلومات الجغرافية بالخريطة وجعل المصورات أساسًا للإيضاح الجغرافي، وقد تبع البلخيّ في ذلك كل من الإصطخري وابن حوقل، ومن ناحية عامة تكاد تشترك جميع خرائط الجغرافيين الإقليميين في صفاتها العامة من حيث الشكل الهندسي التخطيطي الذي لا يركز على الشكل الحقيقي للبلاد، فغالبًا ما تصور البلاد على هيئة مربع أو مستطيل، وتكون الجبال والأنهار والبحار خطوطًا مستقيمة أو أقواسًا ودوائر، أما البحار الداخلية فتأتي على هيئة دوائر كاملة. وكانت كل خريطة مستقلة تمامًا عن الأخرى بحيث لا يمكن جمعها لتكوين خريطة واحدة مثل خرائط الإدريسي.
وخريطة العالم للإدريسي كما كونها مولر من الخرائط الجزئية التي عملها الإدريسي (548هـ، 1153م)، ويعد عمل الإدريسي بداية المرحلة الثالثة التي وصلت ما انقطع من المرحلة الأولى، فقد اختلف ما أعده من خرائط عن الخرائط التي أعدها الجغرافيون الإقليميون، إذ أن منهجه الإقليمي يختلف عمن تقدمه من الإقليميين،والتزم الإدريسي في خرائطه على مقياس الرسم، وتحديد مواضع خطوط الطول، ودوائر العرض، والتزم بالشكل الواقعي للمنطقة الجغرافية التي يعنيها، وقد ضمّن كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق أو ما يطلق عليه أيضًا كتاب رجار (نسبة إلى روجر الثاني أو رُجار ملك صقلية)70 خريطة بالإضافة إلى خريطة العالم الدائرية المألوفة، وقسم كل إقليم إلى عشرة أقسام رأسية أفرد لكل منها خريطة، وقد جمعها مولر كلها، وكوّن منها خريطة واحدة بلغت مساحتها مترين مربعين، وعني الجغرافيون العرب والمسلمون بأنواع مختلفة أخرى من الخرائط، كخرائط المدن والمساجد والسواحل، وخرائط توضيح اتجاه القبلة، ومن ذلك خريطة العراق للمقدسي والإصطخري، وخريطة مدينة قزوين للقزويني، وخريطتا تحديد القبلة للصفاقسي وابن الوردي، كما اهتم الجغرافيون العرب بالخرائط البحرية ومن أهمها، تلك التي رسمتها أسرة الشرفي الصفاقسي التونسية بدءًا من عام 958هـ، 1551م رسموا فيها سواحل البحر الأبيض المتوسط الجنوبية وسواحله الشمالية في إيطاليا وأسبانيا وجنوب فرنسا وسردينيا وكورسيكا، وسواحل البحر الأسود وبحر أزوف وسواحل الشام وبرقة ومصر.
-إسهامات الجغرافيين العرب:
- إسهامات المقدسي:
كان شمس الدين أبو عبدا لله المقدسي البشاري (ت 390هـ، 1000م ) من كبار الجغرافيين ومشاهيرهم، ويعد المقدسي من طليعة العلماء الذين كتبوا في الجغرافيا الإقليمية، ويتضح ذلك بجلاء في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم واقتصر فيه على مملكة الإسلام، ولم يدون شيئًا عما سواها لأنه كما يقول لم يزرها، ولم ير فائدة في ذكرها وإن كان قد ذكر الأماكن التي يقطنها المسلمون منها. وقام في هذا المصنف بالتركيز على الجغرافيا الوصفية؛ كالكلام عن الأقاليم السبعة وسطح الأرض والأقسام السياسية وذكر المسافات وطرق المواصلات، وقلّما تعرض للجغرافيا الطبيعية كالجبال والأنهار، ولكنه أسهب في الجغرافيا البشرية كالبحث في المناخ والزرع والشعوب واللغات وأنواع التجارة، والأخلاق والطباع والعادات، والضرائب، ورسم في كتابه البلدان خريطة مجسّمة وضّح فيها الأقاليم التي زارها وحدودها، وجعل فيها الطرق المعروفة التي تصل بين المدن باللون الأحمر والصحاري باللون الأصفر، والبحار باللون الأخضر، والأنهار باللون الأزرق والجبال باللون الأغبر .
تأثر المقدسي في تقسيماته الإقليمية بعمل مَنْ سبقه من الجغرافيين الإقليميين كالإصطخري وابن حوقل على الرغم من أنه حاول إدماج بعض الأقاليم في بعض، وميَّز بعض الأقاليم التي لم يميزها سابقوه، وقسّم الأقاليم الإسلامية إلى قسمين: أحدهما يتناول أقاليم العرب، والثاني أقاليم العجم، وهو أمر لم يسبق إليه، وضمّن القسمين 15 إقليمًا كان نصيب أقاليم العرب منها سبعة هي: جزيرة العرب؛ العراق، آقور (أرض الجزيرة)، الشام، مصر، المغرب، بادية العرب، أما أقاليم العجم فثمانية هي: المشرق (خراسان، وسجستان، وما وراء النهر) الدّيلم، الرحاب، الجبال، خوزستان، فارس، كرمان، السند، ولم يكن أساس التقسيم لديه ثابتًا فهو مرة إداري ومرّة سياسي ومرّة لغوي، إلا أنه يدافع عن عدم الاطّراد في هذه التقسيمات بقوله ، أما خراسان فإن أبا زيد جعلها إقليمين، وهو إمام في هذا العلم بخاصة في إقليمه، فلا عيب علينا أن جعلناها جانبين فإن قال لم خالفته بعد ما نصَّبته إمامًا فصيرت خراسان إقليمًا واحدًا قيل له: لنا في هذا جوابان، أحدهما أننا لم نحب أن نفرق مملكة آل سامان، والجواب الثاني أن أبا عبد الله الجيهاني أيضًا إمام في هذا العلم وهو لم يفرق خراسان .
ولم يقف تقسيم المقدسي عند حد الأقاليم، بل قسّم كل إقليم إلى كُوَر (قرى متجمعة)، ولكل كور قصبة،ولكل قصبة مدن، ثم تناول جوانب عديدة تغطي معظم ما تغطيه فروع الجغرافيا حاليًا، فقد تناول المناخ من حيث الأمطار والرياح والحرارة، والمنافذ والبحار والبحيرات والأنهار، والجوانب الاقتصادية من زراعة وتجارة وصناعة ومهن، والأوزان والمكاييل والطعام والشراب والعادات والتقاليد والمكوس والطرق والمسافات، وخرائط الإدريسي التزم فيها مقياس الرسم وتحديد الخطوط ودوائر العرض.
- إسهامات الإدريسي:
يعد الشريف الإدريسي أشهر جغرافيِّي القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، ولما انتقل إلى صقلية من قرطبة دعاه الملك رجار (روجر الثاني) ملك صقلية ليؤلف له كتابًا في الجغرافيا ليعرف كيفيات بلاده حقيقة، ويعلم حدودها ومسالكها برًا وبحرًا•، سمى الكتاب باسم نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ويسمى أيضًا كتاب رجار أو الكتاب الرجاري وقيمة هذا الكتاب تنبع من الخرائط التي بلغ عددها السبعين غطت العالم أجمعه بدقة رسمها على أساس أن الأرض كروية في وقت ساد خلاله الاعتقاد الجازم بأنها مسطحة وكان وصفه لأوروبا فيها أدق وأشمل حيث كان هذا الهدف الثاني من أهداف رُوجر، كما أعدّ الإدريسي لروجر كرة من الفضة الخالصة تمثل الجزء المعمور من العالم آنذاك ووضعها في قصر باليرمو عاصمة صقلية آنذاك، وانحصر هذا الجزء المعمور بين خطي عرض 63° شمالاً و16° جنوبًا، حيث منابع النيل والبحيرات الاستوائية التي يُظن أن الأوروبيين اكتشفوها خلال القرن التاسع عشر، يقول الإدريسي عن هذه الخريطة أن روجر أحضر له كرة من الفضة عظيمة الجرم ضخمة الجسم في وزن أربعمائة رطل بالرومي، في كل رطل منها مائة درهم واثنا عشر درهمًا، فلما كملت أمر أن تنقش عليها صور الأقاليم السبعة ببلادها وأقطارها وريفها، وخلجانها وبحارها ومجاري مياهها، ومواقع أنهارها وعامرها وغامرها، وما بين كل بلدين فيها وبين غيرها من الطرقات المطروقة والأميال المحدودة، والمسافات المشهورة، والمراسي المعروفة، على نص ما يخرج إليهم مثلاً في لوح الترسيم، ولا يغادروا منه شيئًا ويأتوا به على هيئته وشكله.
وقد رسم الإدريسي الخرائط على أساس أن الأرض كروية في وقت ساد فيه الاعتقاد الجازم أنها مسطحة، وأعد لروجر الثاني ملك صقلية كرة من الفضة الخالصة تمثل الجزء المعمور من الأرض.
ظل الإدريسي في بلاط روجر إلى أن توفي روجر عام 549هـ،154م، واستمر يعمل في بلاد النور منديين،فصنّف كتاب روض الأُنس ونزهة النفس الذي اشتهر فيما بعد باسم كتاب المسالك والممالك وقد ألّفه بطلب من الملك غليوم الأول الذي خلف روجر، وفي عهده حطّم الثوار كرة الفضة ونهبوها عام 555هـ، 1160م وبالإضافة إلي الكتابين المذكورين كانت له مؤلفات أخرى في الجغرافيا منها مصوّر لأشكال الكرة الأرضية، وخرائط تعد أولى الخرائط الصحيحة في العالم، ومن آرائه أن الأرض كروية لكنها ليست دائرية تمامًا فهي كالبيضة يقسمها خط الاستواء إلى قسمين متساويين، شمالي وجنوبي،وهو أول من قاس بنجاح خطوط العرض، والتزمت خرائطه بمقياس الرسم وتحديد خطوط الطول والعرض تحديدًا دقيقًا مستخدمًا الألوان.
-إسهامات الحموي:
صنّف أبو عبدالله ياقوت بن عبدالله الحموي (ت 626هـ، 1229م) أوسع المعاجم الجغرافية وهو كتاب معجم البلدان، ويغطي كل الرقعة الإسلامية آنذاك، يبدأ المعجم بمقدمة يوضح فيها موضوع معجمه فيقول فهذا كتاب في أسماء البلدان، والجبال، والأودية، والقيعان، والقرى، والمحال، والأوطان،البحار، والأنهار، وياقوت ناقل أمين فقد أفاد من مؤلفات من سبقه في كثير من الأحيان، وأرجع الفضل لذويه، ومن هؤلاء ابن خرداذبه، والأصمعي والبلخي، والسيرافي والإصطخري، وابن حوقل، والبكري، ويبدأ كتابه بمقدمة تحتوي على خمسة أبواب مليئة بمعارف عامة تتصل بشتى العلوم الجغرافية، ثم تحدث عن صورة الأرض وأنها كرة في وسط الفلك،ثم تناول المصطلحات الجغرافية، والأقاليم وقياس المسافات،والألفاظ اللغوية والفقهية المتعلقة بالزكاة من حيث حكم الأرض التي يفتحها المسلمون، وحكم قسم الفيء والخراج فيما فتح منها بالصلح أو القتال، ثم يختم المقدمة بمعارف تاريخية عامة تتعلق بديار الإسلام وغيرها .
يلي ذلك متن المعجم، ويذكر فيه أسماء الأماكن مرتبة ترتيبًا ألف بائيا، ويحدد أطوال هذه الأماكن وعروضها ونشأتها ودورها التاريخي، ويحرص على رد كل اسم في هذا المعجم إلى أصل عربي، إلا فيما ندر، ويستشهد على هذا الاشتقاق بأشعار العرب، وتحظى الأماكن الكبيرة أو المشهورة لديه بعناية خاصة، إذ يصف كلا منها وصفًا مفصلاً دقيقًا يذكر فيه أهم المعالم كالمساجد والقلاع، وإذا اشتهر المكان بحادثة تاريخية، توقف عندها وسردها ووصفها، ويورد أسماء أهم العلماء والأدباء الذين نشأوا في ذلك المكان أو عملوا فيه، ويصف أحيانًا الأحوال الاجتماعية للقاطنين بهذا المكان ويورد أثناء ذلك عددًا من القصص أو الأحداث الطريفة.
إن التقصير في دراسة فضل العرب في تقدم الاكتشافات الجغرافيّة واضح كل الوضوح في الموسوعات والمراجع الجغرافيّة، ولعل هذا مرده إلى اعتناق الكثير من الباحثين النزعة التي تقول، أن هذا التقدم قد أحرزه اليونان والرومان أولاً، ثم تلتهما أمم أوروبية أخرى من إنجليز وفرنسيين وألمان وأسبان وغيرهم على مر السنين،وقد أدى بدوره إلى إهمال الدور الحيوي الذي قام به العرب في هذا المجال .
-الجغرافيا الوصفية الفلكية عند العرب:
قبل أن يتعرف العرب على أهل أوروبا وقبل أن تنتقل العلوم والمعارف العربية إلى الأوروبيين وتترجم إلى اللغة اللاتينية، اهتم العرب بوصف جزيرتهم وبمشاهدة أماكنها فيما يعرف باسم الجغرافيا الوصفية،وكان البدو في ترحالهم من مكان إلى آخر يهتدون بما في السماء الزرقاء من النجوم المتلألئة في صفحتها الصافية، فكان لجو الجزيرة العربية ومناخها أثر فعال في تقدم الجغرافيا الفلكية عند العرب الذين أطلقوا عليها أحياناً اسم علم الأنواء ، وهذا النهوض قد ساعدهم على كشف الكثير من الكواكب والأجرام السماوية التي مازالت تحمل أسماء عربية خالصة مثل زحل وعطارد والمريخ والزهرة والمشتري وغيره .
-الجغرافيا الرياضية: تلا ذلك تقدمهم فيما يعرف باسم الجغرافيا الرياضية، وهي مبنية على حسابات رياضية لتحركات الأجرام السماوية في فلكها، وفي تعاقب الليل والنهار، والفصول السنوية الأربعة، فهم الذين أبدعوا علم الجبر وحساب المثلثات واللوغاريتمات، واستخدموا هذا التقدم في الرياضيات في معرفة الكثير من حسابات الجغرافيا الفلكية، ولقد حظي هذا العلم بتقدم ملحوظ في عهد الأمويين.
الخاتمة:
الكتابة الجغرافية العربية هي ثروة حقيقية تزهو بها المكتبة العربية، وهي ثمرة الاجتهاد والنشاط الذي أسهم به فريق مرموق من الجغرافيين العرب، في إلقاء الضوء على الواقع الجغرافي بكل أبعاده، بل إنها علامة من العلامات التي لا تضلل لدى تصوير مدى وجدوى التقدم الحضاري الذي امسك بزمامه المسلمون في العالم، على امتداد أكثر من ثمانية قرون من عمر الحياة على الأرض.
إن الكتابات الجغرافية في الكتب والمعاجم والموسوعات تكون مخلوطة بالكتابات التاريخية، وبمعلومات كثيرة ومتنوعة أخرى، ولكن الصحيح أيضا ، أن الاعتماد على حصاد الرحلات من خلال المعاينة أو الرواية ، كفل العمق والأصالة والتحقيق لدى دراسة وضع الأرض والكون من قبل علماء العرب المهتمين بالجغرافية ، ومن ثم كانت كتاباتهم بهذا المجال جيدة لايضيرها الاختلاط بالكتابات التاريخية، ولا تتضرر بكل مايمليه الاستطراد الذي يسجله الكاتب ، وخير مثال على ذلك ماكتبه ابن بطوطة في كتابه تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار والمشهورة برحلة ابن بطوطة، حيث صور تصوير جغرافي رائع للبيئة الطبيعية والبشرية للبلدان التي زارها، بل افلح في تسجيل عرض مشوق لأحوال الناس في هذه الأقطار، اقتصاديا واجتماعيا وتاريخيا وثقافيا ودينيا ، وقد جمع بيانات مفيدة ومثمرة لحساب الجغرافية والمعرفة التاريخية والمعرفة الاجتماعية.
فضلا عن كتابات البيروني وابن سينا والمسعودي وغيرهم من الجغرافيين الذين انصبت كتاباتهم على الدراسة الموضوعية التي تعالج الظاهرة الطبيعية والاتجاه الهادف إلى دراسة الأرض .
كذلك من الاتجاهات والمفاهيم التي تولى بعض الجغرافيين العرب إثارتها وتوجيه البحث اليها، هو الاتجاه الهادف إلى دراسة البيئة الجغرافية وتقصي حقيقة العلاقة بين البيئة والإنسان،علاوة على ماتوصل اليه علماء العرب من تمثيل نمطا من أنماط الكتابة الجغرافية والمتمثل في المعاجم ،ومعجم ما استعجم هو أول معجم عربي جغرافي على الإطلاق ، وقد اصدر البكري هذا المعجم في القرن الخامس الهجري ، أورد فيه الحديث والأخبار والتواريخ والمياه والآبار وهو دليل جيد للباحث الجغرافي لأنه أحاط واطلع على كل الكتابات السابقة المفيدة واعتمد عليها لكي يصنف هذا المعجم بصورة جيدة، كذلك معجم البلدان للحموي والذي وصف فيه المدن والمواضع الإسلامية من الأندلس غربا إلى بلاد ماوراء النهر والهند شرقا،إضافة لما أصدره العلماء العرب من موسوعات جغرافية عامة كان لها الأثر الكبير في إضفاء المعلومات الجغرافية المهمة والتي استفيد منها في وقتنا الحالي ، وعليه فن الكتابات الجغرافية للعلماء العرب تمثل إرثا حضاريا علميا كان له الأثر الكبير على العالم قاطبة.

هوامش البحث:
- إمام إبراهيم احمد ،تاريخ الفلك عند العرب ، المكتبة الثقافية ، القاهرة ،1960، ص52.
2 - اوليري، مسالك الثقافة الإغريقية إلى العرب ، ترجمة تمام حسان ، المكتبة الثقافية ، القاهرة ، 1957، ص39.
3 - شريف محمد شريف، تطور الفكر الجغرافي ،مكتبة الانجلو مصرية ، القاهرة ،1976، ص85.
4 -صلاح الدين الشامي ، جغرافية العالم الإسلامي ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 1974، ص125.
5 - جلال مظهر ،حضارة الإسلام وأثرها في الترقي العالمي، القاهرة ،1945،ص99.
6 - صلاح الدين الشامي ‘الفكر الجغرافي ،منشأة المعارف ، الإسكندرية ،1980 ،ص223.
Bunbury,E.H.:a History Of Ancient Geography, London,1883,p,59. - 7
8 -جلال مظهر ، مصدر سابق ، ص99
Sharaf,A.T. :A Short History Of Geographical Discovery,Alex,1964,p62.- 9
10 - كارل بروكلمان،تاريخ الشعوب الإسلامية ، ترجمة أمين فارس ومنير البعلبكي ، ط7، دار العلم للملايين ، بيروت ،1978،ص198.
11 - نفيس احمد ،جهود المسلمين في الجغرافية ، القاهرة،1975،ص54.
12 - السيد عبد العزيز سالم ،التاريخ والمؤرخون العرب ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ،1976 ، ص188
13- يسري الجوهري، الفكر الجغرافي والكشوف الجغرافية ،منشأة المعارف ، الإسكندرية ،1974،ص75.
14- زكي محمد حسن ،الرحالة المسلمون في العصور الوسطى ، المكتبة الانجلو مصرية ، القاهرة ،1945،ص69.
15 - السيد عبد العزيز سالم ، مصدر سابق ، ص195.
16 -صلاح الدين الشامي ،الإسلام والفكر الجغرافي العربي ،منشأة المعارف ، الإسكندرية ،ص198.